ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٨٣:الربع الثالث من الحزب الثاني والثلاثين في المصحف الكريم
لا يزال كتاب الله مسترسلا في الحديث عن قصة موسى عليه السلام، وفي هذا الربع الثالث من سورة طه ينتهي القسم الأخير من القصة، ويعقب عليها كتاب الله تعالى بقوله : كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق * وقد أتيناك من لدنا ذكرا .
غير أن الحديث في هذا الربع يأخذ مجرى جديدا، فقصة موسى التي يتناولها في هذا الربع قصته مع قومه من بني إسرائيل، بينما الربع الأول والربع الثاني من هذا الحزب تناول فيهما كتاب الله قصة موسى مع فرعون وقومه :
ذلك أنه بمجرد ما حرر موسى عليه السلام بني إسرائيل من قبضة فرعون وملائه، وأطلق سراحهم، وافتك أرواحهم، انقلبوا حربا على الله ورسوله، وأقبلوا على عبادة عجل من ذهب، مشاركين في ذلك عبدة الأوثان، مشركين بالرحمان، وأصبحوا الشغل الشاغل لموسى وأخيه هارون، ومصدر المتاعب والمتناقضات في كل ما يأتون وما يذرون، وإلى هذا الوضع الغريب الذي آل إليه بنو إسرائيل بمجرد تحريرهم، وبعدما غاب عنهم موسى غيبة قصيرة ولم يبق بين أظهرهم، يشير قوله تعالى : فكذلك ألقى السامري
وقوله تعالى : ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى .
وكان موسى عليه السلام قد فارق قومه على عجل، قاصدا " جانب الطور الأيمن "، مستخلفا عليهم أثناء غيبته أخاه هارون، إذ بعد ما حقق الله على يده لقومه نعمة النجاة والتحرير، رأى من واجبه أن يبادر لتلبية النداء الإلهي حتى يتلقى من ربه التعاليم التي تضمن لقومه حسن التدبير والتسيير، وها هو الحق سبحانه وتعالى يسأل وموسى يجيب وما أعجلك عن قومك يا موسى أي ماذا حملك على العجلة والقدوم وحدك دون قومك، فقد كان الموعد الذي ضربه الحق سبحانه وتعالى ليكلم فيه موسى ويلقنه الهدى والنور لم يحن بعد قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى أي ظننت أن التعجيل بذلك، أقرب إلى رضاك. قال جار الله الزمخشري :" وزال عنه أنه عز وجل ما وقت أفعاله إلا نظرا إلى دواعي الحكمة، وعلما بالمصالح المتعلقة بكل وقت ". لكن الحق يفاجئ عبده الكليم بما أحدثه بنو إسرائيل من بعده قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري . وكم كان هول هذه الصدمة شديد الوقع على موسى، فقد أحس بأن قومه أصابتهم مدة غيبته القصيرة نكسة كبرى وهم لا يزالون في بداية الطريق فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد ، وفي هذا الاستفهام استغراب واستنكار، إذ لم يغب عنهم موسى زمنا طويلا حتى يقع ما وقع، ولم تزد مدة غيبته على أربعين يوما أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي . وها هو موسى عليه السلام يواجه قومه بالوعد الممزوج بالوعيد، وها هو يبدو عليه من الغضب والحزن ما ليس عليه من مزيد، وها هو يوجه إلى بني إسرائيل إنذارا بحلول غضب الله عليهم، ملوحا بذلك إلى الإنذار الوارد في الخطاب الإلهي السابق في الربع الماضي، إذ قال تعالى : ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى .
وحاول بنو إسرائيل جاهدين أن يبرروا موقفهم ويفسروا انحرافهم، زاعمين أن الوعد الذي قطعوه لموسى عليه السلام بالثبات على طاعة الله وعبادته إلى أن يرجع من " الطور " لم يخلفوه اختيارا، وإنما أخلفوه اضطرارا، بدعوى أن الإنسان إذا وقع في الفتنة لم يعد يملك نفسه، *قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ، متعللين بأنهم عندما فارقوا وطن فرعون حملوا معهم من حلي قومه وزينتهم الذهبية كميات كثيرة كانت موضوعة تحت أيديهم، ولعل وضعها كان برسم الإعارة أو برسم الرهن، فلما استقر بهم المطاف أوقدوا نارا وقذفوا فيها ما جمعوه من تلك الحلي، وصنع ( السامري ) لهم منها " عجلا جسدا له خوار "، فعبدوه معتقدين أنه هو إلههم وإله موسى، واتهموا موسى بأنه نسي هذا الإله، فذهب يبحث عن إله آخر، وهذا التأويل الغريب الذي أولوا به مسلكهم هو الذي عبر عنه كتاب الله هنا على لسانهم قائلا : ولكنا حملنا أوزارا أي أثقالا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري .
غير أن هذا التأويل المصطنع الذي حاولوا أن يؤولوا به مسلكهم لم يكن مطابقا للحقيقة، فقد عبروا عن رغبتهم في تقليد عبدة الأوثان عندما مروا بهم منذ اللحظة الأولى، وقالوا لموسى كما حكى الله على لسانهم في سورة الأعراف : يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [ الآية : ١٣٨ ]، فرد عليهم موسى في الحين بقوله : إنكم قوم تجهلون .
ومن المفارقات في هذا المقام أن يقبل بنو إسرائيل على عبادة عجل من ذهب، مخلفين بذلك وعدهم لموسى، ومتمردين على خليفته هارون، في نفس الوقت الذي كان فيه موسى يتلقى كلمات ربه وهو يخاطبه قائلا : فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها [ الأعراف : ١٤٥ ]، ولكن الله العليم الخبير أضاف إلى ذلك إنذارا سابقا لبني إسرائيل المنحرفين، فقال تعالى منذرا لهم ولمن سلك مسلكهم : سأوريكم دار الفاسقين .


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير