ﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

هُمْ أولاء على أَثَرِي كَمَا تَرَى غير منطبق عليه.
قلت : قد تضمَّن٦ ما واجهه به رب العزة شيئين :
أحدهما : إنكار العجلة في نفسها.
والثاني : السؤال عن سبب التقدم والحامل عليه، فكان٧ أهم الأمرين إلى موسى بسط٨ العذر، وتمهيد العلة في نفس ما أنكر عليه٩ فاعتلَّ بأنَّه لم يوجد منِّي١٠ إلا تقدمٌ يسير مثله لا يعتد به في العادة، ولا يحتفل به، وليس بيني وبين من سبقته١١ إلا مسافة قريبة يتقدم بمثلها الوفد رأسهم ومقدمتهم، ثم١٢ عقبه بجواب السؤال عن السبب فقال : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى .
وأجاب غيره عن هذا السؤال بأنه -عليه السلام١٣- ورد عليه من هيبة عتاب الله ما أذهله١٤ عن الجواب المنطبق المرتب على حدود الكلام١٥.

فصل١٦



في الآية سؤالات :

الأول : قوله : وَمَا أعْجَلَكَ استفهام، وهو على الله تعالى محال.
والجواب : أنه إنكار١٧ في صيغة الاستفهام ولا امتناع فيه١٨.
الثاني : أنَّ موسى -عليه السلام١٩- إما أن يقال : إنَّه كان ممنوعاً عن ذلك التقدم، أو لم يكن ممنوعاً عنه، فإن كان ممنوعاً كان ذلك التقدم معصية فيلزم٢٠ وقوع المعصية من الأنبياء، وإن لم يَكُنْ ممنوعاً كان ذلك الإنكار غير جائز.
والجواب : لعله -عليه السلام٢١- ما وجد نصًّا في ذلك إلا أنَّه باجتهاده تقدم فأخطأ في ذلك الاجتهاد فاستوجب العتاب.
الثالث : قوله :" وَعَجِلْتُ " والعجلة مذمومة.
والجواب : أنها ممدوحة في الدين قال الله تعالى٢٢ : وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ٢٣.
الرابع : قوله : لِتَرْضَى يدل على أنَّه -عليه السلام٢٤- إنَّما فعل ذلك ليحصل الرِّضا لله تعالى، وذلك باطل من وجهين :
أحدهما : يلزم تجدد صفة الله.
والآخر : أنه -تعالى- قبل حصول ذلك٢٥ الرضا يجب أن يقال :( إنَّه ما )٢٦ كان راضياً عن موسى، لأنَّ تحصيل الحاصل محال، ولما لَمْ يكن راضياً عنه وجب٢٧ أن يكون ساخطاً عليه، وذلك لا يليق بحال الأنبياء.
والجواب المراد تحصيل دوام الرضا كقوله : ثُمَّ اهْتَدَى المراد دوام الاهتداء.
الخامس : قوله وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى يدل على أنه ذهب إلى الميعاد قبل الوقت الذي عيَّنه الله له وإلا لم يكن تعجيلاً٢٨، ثم ظن أنَّ٢٩ مخالفة أمر الله سبب٣٠ لتحصيل رضاه، وذلك لا يليق بأجهل الناس فضلاً عن كليم الله٣١.
والجواب : أن ذلك كان باجتهادٍ وأخطأ فيه.
السادس : قوله :" إلَيْكَ " يقتضي كون الله في الجهة، لأن " إلى " لانتهاء الغاية.
والجواب : اتفقنا على أنَّ الله -تعالى- لم يكن في الجبل، فالمراد٣٢ إلى مكان وعدك.

فصل


دلت الآية على أنَّه تعالى أمره بحضور الميقات مع قوم مخصوصين فقال المفسرون : هم السَّبعُون الذين اختارهم الله من جملة بني إسرائيل٣٣، يذهبون معه إلى الطور ليأخذوا التوراة، فسار بهم موسى، ثم عجَّل موسى من بينهم شوقاً إلى ربه، وخلق السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله له : وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يا موسى قال مجيباً لربه هُمْ أولاء على أَثَرِي أي : بالقرب منِّي يأتون من بعدي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى لتزداد رِضًى٣٤.
قوله : هُمْ أولاء على أَثَرِي كقوله : ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ١ و على أَثَرِي يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً٢ وقرأ الجمهور :" أولاَءِ " بهمزة مكسورة٣.
والحسن وابنُ٤ معاذ بياء مكسورة، وإبدال الهمزة ياءً ( تخفيفاً٥ )٦.
وابن وثاب " أُولى " بالقصر دون همزة٧.
وقرأت طائفة " أولاَيَ " بياء مفتوحة، وهي قريبة من الغلط٨ والجمهور " عَلَى أثَرِي " بفتح الهمزة والثاء.
وأبو عمرة في رواية عبد الوارث، وزيد بن علي " إثْرِي " بكسر الهمزة وسكون الثاء٩ وعيسى بضمها وسكون الثاء، وحكاها الكسائي ( لغة )١٠ ١١.
١ [البقرة: ٨٥] أي أن قوله: "هم أولاء على أثري" مثل قوله: "ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم" في الإعراب، فـ"هم" مبتدأ، و"وأولاء" خبره، وعلى أثري" حال من "أولاء". ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون "أولاء" اسما موصولا و"على أثري" صلته. انظر البيان ١/١٠٢ – ١٠٤، التبيان ١/٨٦، ٢/٩٠٠..
٢ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٣ انظر البحر المحيط ٦/٢٦٧. وذلك على لغة الحجازيين. و"أولاء" اسم إشارة للجمع ممدودا عن الحجازيين، مقصورا عند بني تميم. انظر شرح الأشموني ١/١٣٩..
٤ في ب: ابن، بدون واو العطف..
٥ المختصر (٨٨)، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٦ ما بين القوسين في ب: مخففا..
٧ على لغة بني تميم. المختصر ٨٨، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
٨ حكاها الفراء ٢/١٨٨ـ١٨٩، وقال الزجاج (لا وجه لها، لأن الياء لا تكون بعد ألف آخرة إلا للإضافة نحو "هداي" ) معاني القرآن وإعرابه ٣/٣٧١..
٩ انظر المختصر (٨٨)، والبحر المحيط ٦/٢٦٧. و"أثري" بفتح الهمزة والثاء، و"إثري" بكسر الهمزة وسكون الثاء بمعن الأثر لغتان. اللسان (أثر)..
١٠ انظر المختصر (٨٨)، البحر المحيط ٦/٢٦٧..
١١ ما بين القوسين سقط من ب..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية