يقول تعالى منبهًا على قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : الجاحدون لإلهيته العابدون١ معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد غيره أو يشرك به ما سواه، ألم٢ يروا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا أي : كان الجميع متصلا بعضه ببعض متلاصق متراكم، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، ففتق هذه من هذه. فجعل السموات سبعًا، والأرض٣ سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء وأنبتت الأرض ؛ ولهذا قال : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ أي : وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك دليل على وجود الصانع الفاعل المختار القادر على ما يشاء :
| فَفِي كُلّ شيء لَهُ آيَة | تَدُلّ علَى أنَّه وَاحد |
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة، حدثنا حاتم، عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ؛ أن رجلا أتاه يسأله عن السموات والأرض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ؟. قال : اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني بما قال لك. قال : فذهب إلى ابن عباس فسأله. فقال ابن عباس : نعم، كانت السموات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت.
فلما خلق للأرض أهلا فتق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر : الآن قد علمت أن ابن عباس قد أوتي في القرآن علمًا، صدق - هكذا كانت. قال ابن عمر : قد كنت أقول : ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علمًا.
وقال عطية العَوْفي : كانت هذه رتقًا لا تمطر، فأمطرت. وكانت هذه رتقًا لا تنبت، فأنبتت.
وقال إسماعيل بن أبي خالد : سألت أبا صالح الحنَفِي عن قوله : أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ، قال : كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين.
وهكذا قال مجاهد، وزاد : ولم تكن السماء والأرض متماستين.
وقال سعيد بن جبير : بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه. وقال الحسن، وقتادة، كانتا جميعًا، ففصل بينهما بهذا الهواء.
وقوله : وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أي : أصل كل الأحياء منه.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر٤، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة عن أبي ميمونة٥، عن أبي هريرة أنه قال : يا نبي الله إذا رأيتك قرت عيني، وطابت نفسي، فأخبرني عن كل شيء، قال :" كل شيء خلق من ماء ".
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي، وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء. قال :" كل شيء خلق من ماء " قال : قلت : أنبئني عن أمر إذا عملتُ به دخلت الجنة. قال :" أفْش السلام، وأطعم الطعام، وصِل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنَّة بسلام " ٦.
ورواه أيضا عبد الصمد وعفان وبَهْز، عن همام٧. تفرد به أحمد، وهذا إسناد على شرط الصحيحين، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن، واسمه سليم، والترمذي يصحح له. وقد رواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة مرسلا والله٨ أعلم.
٢ - في أ :"أولم".".
٣ - في ف، أ :"والأرضين"..
٤ - في ف، أ :"الجماهير"..
٥ - في ف، أ :"أبي ميمون"..
٦ - المسند (٢/٢٩٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/١٢٩) من طريق يزيد بن هارون وصححه. ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٦٤٢) "موارد" من طريق أبي عامر العقدي عن همام به..
٧ - المسند (٢/٣٢٣ - ٤٩٣) من طريق عبد الصمد، (٢/٣٢٣) من طريق عفان، (٢/٣٢٤) من طريق بهز. وقال الهيثمي في المجمع (٥/١٦) :"رجاله رجال الصحيح، خلا أبي ميمونة وهو ثقة"..
٨ - في ف :"فالله"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة