ثم إنه سبحانه وتعالى شرع الآن في الدلائل الدّالة على وجود الصانع، فذكر منها ستة أنواع ؛ النوع الأوّل : قوله تعالى : أولم ير أي : يعلم الذين كفروا علماً هو كالمشاهدة أن السماوات والأرض كانتا ولم يقل : كنَّ ؛ لأنّ المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض رتقاً قال ابن عباس والضحاك : كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين زبدة واحدة ففتقناهما أي : فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة السد، والفتق الشق، قال كعب : خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً توسطتهما، ففتحهما بها، وقال مجاهد والسدّي : كانت السماوات رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت رتقاً طبقة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين، وقال عكرمة وعطية : كانت السماوات رتقاً لا تمطر، والأرض رتقاً لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، فيكون المراد بالسماوات سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق أو السماوات بأسرها على أن لها مدخلاً في الأمطار، وإنما قال تعالى : رتقاً على التوحيد، وهو نعت للسموات والأرض لأنه مصدر، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك، فهم متمكنون من العلم بالنظر، أو باستفسار من العلماء، أو مطالعة الكتب، وقرأ ابن كثير ألم بغير واو بين الهمزة ولم، والباقون بالواو بين الهمزة واللام.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني