وكما سبقت قصة زكريا وزوجه وابنه يحيى في سورة آل عمران وفي أول سورة مريم، قبل الشروع في الحديث عن عيسى ابن مريم وأمه العذراء يتكرر نفس الموقف في هذه السورة أيضا، فيأتي الحديث عنه وعنها بعد الحديث عن زكريا، للقرابة التي كانت بينهم، وذلك قوله تعالى : والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ، على غرار قوله تعالى في سورة التحريم : ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتابه وكان من القانتين [ الآية : ١٢ ]. والمراد " بالإحصان " هنا العفاف والصون والزهد في كل " مباشرة " كيفما كانت حتى ولو كانت حلالا، على غرار ما حكاه كتاب الله في آية أخرى على لسان مريم عليها السلام إذ قال : ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا [ مريم : ٢٠ ]، وإضافة " الروح " إليه تعالى في قوله : من روحنا إنما هي على جهة التشريف، وقد أوضح كتاب الله المراد بذلك في آية أخرى، إذ قال تعالى : فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا [ مريم : ١٧ ].
وقوله تعالى هنا : آية للعالمين جاء بالإفراد لا بالجمع، وإن كان في مريم آيات، وفي عيسى آيات، لأن أمر الولادة من غير ذكر، الذي هو محور هذه القصة، هو في الواقع آية واحدة حسبما نبه على ذلك أبو حيان، والمراد " بالعالمين " من اعتبر بهذه القصة من عالم زمانها ثم عالم بقية الأزمان، دلالة على أن الله قادر على كل شيء، وما يشاء الله كان.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري