مصادر (١)، وكذلك في الرَّهَب (٢).
والرغباء والرهباء اسمان منهما، يقال: الرهباء من الله والرغباء إليه (٣).
وانتصابها على المصدر على معنى: يرغبون رغبًا، ويرهبون رهبًا، أو على المفعول له أي: للرغب (٤) والرهب (٥).
قال ابن عباس: يريد راغبين في الجنة وخائفين من النار (٦).
وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ قال مجاهد: متواضعين (٧).
وقال قتادة: ذُلُلَ لأمر الله (٨).
٩١ - قوله تعالى وَالَّتِي: يعني مريم بنت عمران. وَالَّتِي في
(٢) انظر (رهب) في: "تهذيب اللغة" ٦/ ٢٩٠، "لسان العرب" ١/ ٤٣٦، "القاموس المحيط" ١/ ٧٦، "تاج العروس" ١/ ٥٣٧.
(٣) "تهذيب اللغة" للأزهري ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣ مع تصرف منسوبًا إلى الليث. وهو بنحوه في "العين" ٤/ ٤٧. وانظر ما تقدم من مصادر في (رغب) و (رهب).
(٤) في (أ)، (ت): (الرغب)، وهو خطأ.
(٥) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٠٣، "الإملاء" للعكبري ٢/ ١٣٦، "البحر المحيط" ٦/ ٣٣٦، "الدر المصون" ٨/ ١٩٤.
(٦) نحوه في "تنوير المقباس" ص ٢٠٤.
(٧) ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ١٩٣ عن مجاهد. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٦٧١ عن مجاهد وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٨) ذكره ابن كثير في "تفسيره" ٣/ ١٩٣ عن الحسن وقتادة بلفظ: متذللين لله -عز وجل-. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٦٧٠ عن قتادة بلفظ (أذلاء). وعزاه لابن جرير -ولم أره فيه- وابن المنذر وابن أبي حاتم.
قال ابن كثير ٣/ ١٩٣ بعد سياقه لهذه الأقوال: وهذه الاقوال متقاربة.
محل النصب بالعطف على ما قبلها (١).
أَحْصَنَتْ أحرزت ومنعت عن الفساد. فَرْجَهَا ذكر الفراء والزجاج أنه يعني: جيبها (٢).
قال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها (٣).
وهذا محتمل؛ لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ولذلك (٤) يقال [لما بين قوائم الدابة: الفروج. ومنه قوله:
تَسُدُّ به فرجها من دبر (٥).
أراد ما بين] (٦) فخذيها ورجليها (٧).
وانظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٠٣، "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٧٨، "مشكل إعراب القرآن" لمكي ٢/ ٤٨١، "الدر المصون" ٨/ ١٩٤.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٠٣.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢١٠.
(٤) في (ت): (وكذلك).
(٥) هذا عجز بيت لامرئ القيس، وصدره:
لها ذنبٌ مثل "ذيل العروس"
وهو في "ديوانه" ص ١٦٤، "تهذيب اللغة" للأزهري ١١/ ٤٥ (فرج)، "مقاييس اللغة" لابن فارس ٤/ ٤٩٩، (فرج) "لسان العرب" ٢/ ٣٤٢ (فرج)، "تاج العروس" للزبيدي ٦/ ١٤٣ (فرج). وهذا البيت من قصيدة قالها امرؤ القيس بعد قتله لثعلبة بن مالك، ويصف فرسه التي ركبها عند قتاله له..
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).
(٧) من قوله كل في جه إلى هنا في "تهذيب اللغة" للأزهري ١١/ ٤٤ - ٤٥ (فرج) منسوبًا إلى الليث- وهو في "العين" ٦/ ١٠٩ (فرج) إلى قوله فهو فرج.
وانظر المراجع اللغوية المتقدمة في تخريج البيت.
وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج. وهذا أبلغ في الثناء عليها من أن يجعل فرجها بمعنى الفرج المعروف للنساء؛ لأنها إذا منعت حبيب يرعها فهي لنفسها أمنع وأشد إحصانًا.
وقد قيل: أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا حفظت فرج نفسها (١).
وقوله تعالى: فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا قال المفسرون: أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها (٢).
وعلى هذا المراد: فنفخنا في درعها. فحذف المضاف (٣) ويجوز أن
وقال الطبري ١٧/ ٨٤: والذي هو أولى القولين -عندنا بتأويل ذلك- قول من قال: أحصنت فرجها من الفاحشة؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام.
وقال ابن عطية ١٠/ ٢٠١: وهو ظاهر القرآن. وقال عن القول الأول إنَّه ضعيف. وما اختاره الطبري وابن عطية ذهب إليه أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" ١٧/ ٢٦٢، واستظهره أبو حيان في "البحر" ٦/ ٣٣٦ واستشهد عليه بقولها وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا [مريم: ٢٠].
(٢) "الكشف والبيان" للثعلبي ٣/ ٤٣ أ. بنصه.
(٣) يرد هذا قوله تعالى في سورة التحريم: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا.
قال أبو العباس بن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" ١٧/ ٢٦٢: وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في حبيب درعها، والجيب هو الطوق الذي في العنق.. ، وذكر أبو الفرج وغيره قولين: هل كانت النفخة في حبيب الدرع أو في الفرج؟ فإن من قال بالأول قال: في فرج درعها، وأن من قال: هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها، وهذا ليس بشيء، بل هو عدول عن صريح القرآن. وهذا النقل إن كان ثابتًا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتاً لم يلتفت إليه، فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع فمراده أنه -عليه السلام- لم =
يكون المراد في نفسها. والمعنى: وأجرينا (١) فيها روح المسيح كما تجري الربح بالنفخ، وذلك أن الله تعالى أجرى فيها روح عيسى بنفخ جبريل، وأحدث بذلك النفخ المسيح في رحمها (٢).
وقوله تعالى: مِنْ رُوحِنَا يريد من روح عيسى. وأضاف الروح إليه إضافة الملك على معنى التشريف والتخصيص (٣).
وقوله تعالى: وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ قال الفراء، والزجاج، والكسائي: وحد الآية بعد ذكرهما جميعًا لمّا كان شأنهما
والمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله في آيتين، وإلا فإن النفخ في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف. أهـ.
(١) في (د)، (ع): (فأجرينا).
(٢) هذا قول الثعلبي ٣/ ٤٣ أ.
وذكره الماوردي في "النكت والعيون" ٣/ ٤٦٩ مختصرًا، وابن الجوزي ٥/ ٣٨٥ من غير نسبة.
(٣) وفيه وجه آخر ذكره الزمخشري ٢/ ٥٨٣ وأبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" ١٧/ ٢٦٣. وأبو حيان في "البحر" ٦/ ٣٣٦ والألوسي في "روح المعاني" ١٧/ ٨٨ وهو أن الروح هنا جبريل كما قال تعالى فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧].
قال أبو العباس ابن تيمية: فقوله فَنَفَخْنَا فِيهَا أو فِيهِ مِنْ رُوحِنَا أي: من هذا الروح الذي هو جبريل، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من الله بهذا الاعتبار، و (من) لابتداء الغاية. وقال: ولهذا قيل في المسيح وَرُوحٌ مِنْهُ باعتبار هذا النفخ.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي