ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭ

انتهى الدرس السابق عند الإذن بالقتال لحماية العقائد والشعائر ؛ ووعد الله بالنصر لمن ينهضون بتكاليف العقيدة، ويحققون النهج الإلهي في حياة الجماعة.
وإذ انتهى من بيان تكاليف الأمة المؤمنة أنشأ يطمئن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى تدخل يد القدرة الإلهية لنصره ؛ ولخذلان أعدائه، كما تدخلت من قبل لنصرة إخوانه الرسل - عليهم السلام - وأخذ المكذبين على مدار الأجيال. وأخذ يوجه المشركين إلى تأمل مصارع الغابرين إن كانت لهم قلوب للتأمل والتدبر، فإنها لا تعمي الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.
ثم يطمئن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى أن الله يحمي رسله من كيد الشيطان كما يحميهم من كيد المكذبين. ويبطل ما يحاوله الشيطان ويحكم آياته ويجلوها للقلوب السليمة. فأما القلوب المريضة والقلوب الكافرة فتظل الريبة فيها حتى تنتهي بها إلى شر مصير..
فالدرس كله بيان لآثار يد القدرة وهي تتدخل في سير الدعوة، بعد أن يؤدي أصحابها واجبهم، وينهضوا بتكاليفهم التي سبق بها الدرس الماضي في السياق.
والله الذي يحفظ دعوته من تكذيب المكذبين، وتعطيل المعوقين، ومعاجزة المعاجزين.. يحفظها كذلك من كيد الشيطان، ومن محاولته أن ينفذ إليها من خلال أمنيات الرسل النابعة من طبيعتهم البشرية. وهم معصومون من الشيطان ولكنهم بشر تمتد نفوسهم إلى أماني تتعلق بسرعة نشر دعوتهم وانتصارها وإزالة العقبات من طريقها. فيحاول الشيطان أن ينفذ من خلال أمانيهم هذه فيحول الدعوة عن أصولها وعن موازينها.. فيبطل الله كيد الشيطان، ويصون دعوته، ويبين للرسل أصولها وموازينها، فيحكم آياته، ويزيل كل شبهة في قيم الدعوة ووسائلها :
وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم..
لقد رويت في سبب نزول هذه الآيات روايات كثيرة ذكرها كثير من المفسرين. قال ابن كثير في تفسيره :" ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. والله أعلم ".
وأكثر هذه الروايات تفصيلا رواية ابن أبي حاتم. قال : حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق الشيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، قال : أنزلت سورة النجم، وكان المشركون يقولون : لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر. وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم ؛ فكان يتمنى هداهم. فلما أنزل الله سورة النجم قال :( أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ؟ ألكم الذكر وله الأنثى ؟ )ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت فقال : وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى.. وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته.. فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه.. فلما بلغ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] آخر النجم سجد، وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك. غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلا كبيرا فرفع ملء كفه ترابا فسجد عليه. فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين.
ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين، فاطمأنت أنفسهم - أي المشركون - لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وحدثهم به الشيطان أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم. ففشت تلك الكلمة في الناس ؛ وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين : عثمان بن مظعون وأصحابه ؛ وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله ؛ وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه ؛ وحدثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعا، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه من الفرية، وقال :( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. ثم يحكم الله آياته. والله عليم حكيم. ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم. وإن الظالمين لفي شقاق بعيد ).. فلما بين الله قضاءه، وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم على المسلمين، واشتدوا عليهم "..
قال ابن كثير : وقد ساق البغوي في تفسيره روايات مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما بنحو من ذلك، ثم سأل ها هنا سؤالا : كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله - صلوات الله وسلامه عليه - ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك. فتوهموا أنه صدر عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان لا عن رسول الرحمن [ صلى الله عليه وسلم ] وعلى آله وسلم - والله أعلم.
وقال البخاري : قال ابن عباس :( في أمنيته )إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. فيبطل الله ما يلقي الشيطان ( ثم يحكم الله آياته ).
وقال مجاهد :( إذا تمنى )يعني إذا قال ؛ ويقال أمنيته : قراءته.
وقال البغوي : وأكثر المفسرين قالوا : معنى قوله :( تمنى )أي تلا وقرأ كتاب الله ( ألقى الشيطان في أمنيته )أي في تلاوته.
وقال ابن جرير عن تفسير( تمنى )بمعنى تلا : هذا القول أشبه بتأويل الكلام !
هذه خلاصة تلك الروايات في هذا الحديث الذي عرف بحديث الغرانيق.. وهو من ناحية السند واهي الأصل. قال علماء الحديث : إنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة. وقال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بإسناد متصل يجوز ذكره وهو من ناحية موضوعه يصادم أصلا من أصول العقيدة وهو عصمة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من أن يدس عليه الشيطان شيئا في تبليغ رسالته.
وقد أولع المستشرقون والطاعنون في هذا الدين بذلك الحديث، وأذاعوا به، وأثاروا حوله عجاجة من القول. والأمر في هذا كله لا يثبت للمناقشة، بل لا يصح أن يكون موضوعا للمناقشة.
وهناك من النص ذاته ما يستبعد معه أن يكون أن يكون سبب نزول الآية شيئا كهذا، وأن يكون مدلوله حادثا مفردا وقع للرسول [ صلى الله عليه وسلم ] فالنص يقرر أن هذه القاعدة عامة في الرسالات كلها مع الرسل كلهم :( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، ثم يحكم الله آياته ).. فلا بد أن يكون المقصود أمرا عاما يستند إلى صفة في الفطرة مشتركة بين الرسل جميعا، بوصفهم من البشر، مما لا يخالف العصمة المقررة للرسل.
وهذا ما نحاول بيانه بعون الله. والله أعلم بمراده، إنما نحن نفسر كلامه بقدر إدراكنا البشري..
وأما الذين أوتوا العلم والمعرفة فتطمئن قلوبهم إلى بيان الله وحكمه الفاصل : وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم..
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وفي حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه الإمام ابن جرير رحمه الله.
نجد من ذلك مثالا في قصة ابن أم مكتوم - رضي الله عنه - الأعمى الفقير الذي جاء إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، ويكرر هذا القول والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] مشغول بأمر الوليد بن المغيرة يود لو يهديه إلى الإسلام ومعه صناديد قريش، وابن أم مكتوم لا يعلم أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مشغول بهذا الأمر. حتى كره، رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلحاحه فعبس وأعرض عنه.. فأنزل الله في هذا قرآنا يعاتب فيه الرسول عتابا شديدا :
( عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى ! أما من استغنى، فأنت له تصدى ؟ وما عليك ألا يزكى ؟ وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ؟ كلا ! إنها تذكرة فمن شاء ذكره... ).
وبهذا رد الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة. وصحح تصرف رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الذي دفعته إليه، رغبته في هداية صناديد قريش، طمعا في إسلام من وراءهم وهم كثيرون. فبين الله له : أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد. وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته. واطمأنت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين.
ولقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم. ويقول إذا رآه :" مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ويقول له :" هل لك من حاجة " واستخلفه على المدينة مرتين.
كذلك وقع ما رواه مسلم في صحيحه قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد - هو ابن أبي وقاص - قال : كنا مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ستة نفر. فقال المشركون للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] : أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال : وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما. فوقع في نفس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل :( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ؛ بالغداة والعشي يريدون وجهه ).
وهكذا رد الله للدعوة قيمها المجردة، وموازينها الدقيقة. ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة. ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقيم الدعوة أهم من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم - كما كان يتمنى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والله أعلم بمصدر القوة الحقيقية، وهو الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيا ولا عرفا جاريا !
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد زوجها من زيد بن حارثة - رضي الله عنه - وكان قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له : زيد بن محمد. فأراد الله أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة فقال تعالى :( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله )وقال :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ).. وكان زيد - رضي الله عنه - أحب الناس إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فلم تستقم بينهما الحياة.. وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه. فأراد الله سبحانه إبطال هذه العادة، كما أبطل نسبة الولد إلى غير أبيه. فأخبره رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه سيزوجه من زينب بعد أن يطلقها زيد - لتكون هذه السنة مبطلة لتلك العادة - ولكن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أخفى في نفسه ما أخبره به الله. وكان كلما شكا إليه زيد تعذر الحياة مع زينب قال له :( أمسك عليك زوجك )مراعيا في هذا كراهية القوم لزواجه منها حين يطلقها زيد. وظل يخفي ما قدر الله إظهاره حتى طلقها زيد.. فأنزل الله في هذا قرآنا، يكشف عما جال في خاطر الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ويقرر القواعد التي أراد الله أن يقوم تشريعه في هذه المسألة عليها :
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه : أمسك عليك زوجك واتق الله. وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطرأ زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر الله مفعولا..
ولقد صدقت عائشة - رضى الله عنها وهي تقول : لو كتم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم :( وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه )..
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من كراهية القوم لزواجه من مطلقة دعيه. ولم يمكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة. وترك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم يتخذون من هذه الحادثة، مادة للشقاق والجدال ما تزال ! ! !
هذا هو ما نطمئن إليه في تفسير تلك الآيات. والله الهادي إلى الصواب.
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات - بعد الرسل - والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها.. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلا فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصمونها !
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا مع منهج الدعوة المستقيم. وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها. واجتهادا في تحقيق " مصلحة الدعوة " ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير. أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله. فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله. ولن تكون إلا خيرا في نهاية المطاف.
وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها إلى صميم الدعوة. وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم. فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتحرج البالغ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه " مصلحة الدعوة ".. إن كلمة " مصلحة الدعوة " يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات، لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ! ولقد تتحول " مصلحة الدعوة " إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل !.. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيرا أو قليلا. والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين. إنما هم مكلفون بأمر واحد. ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق..



وفي حياة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وفي تاريخ الدعوة الإسلامية نجد أمثلة من هذا، تغنينا عن تأويل الكلام، الذي أشار إليه الإمام ابن جرير رحمه الله.
نجد من ذلك مثالا في قصة ابن أم مكتوم - رضي الله عنه - الأعمى الفقير الذي جاء إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله، ويكرر هذا القول والرسول [ صلى الله عليه وسلم ] مشغول بأمر الوليد بن المغيرة يود لو يهديه إلى الإسلام ومعه صناديد قريش، وابن أم مكتوم لا يعلم أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مشغول بهذا الأمر. حتى كره، رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلحاحه فعبس وأعرض عنه.. فأنزل الله في هذا قرآنا يعاتب فيه الرسول عتابا شديدا :
( عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى، أو يذكر فتنفعه الذكرى ! أما من استغنى، فأنت له تصدى ؟ وما عليك ألا يزكى ؟ وأما من جاءك يسعى وهو يخشى فأنت عنه تلهى ؟ كلا ! إنها تذكرة فمن شاء ذكره... ).
وبهذا رد الله للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة. وصحح تصرف رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الذي دفعته إليه، رغبته في هداية صناديد قريش، طمعا في إسلام من وراءهم وهم كثيرون. فبين الله له : أن استقامة الدعوة على أصولها الدقيقة أهم من إسلام أولئك الصناديد. وأبطل كيد الشيطان من الدخول إلى العقيدة من هذه الثغرة، وأحكم الله آياته. واطمأنت إلى هذا البيان قلوب المؤمنين.
ولقد كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بعد ذلك يكرم ابن أم مكتوم. ويقول إذا رآه :" مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " ويقول له :" هل لك من حاجة " واستخلفه على المدينة مرتين.
كذلك وقع ما رواه مسلم في صحيحه قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد - هو ابن أبي وقاص - قال : كنا مع النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ستة نفر. فقال المشركون للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] : أطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال : وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما. فوقع في نفس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل :( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ؛ بالغداة والعشي يريدون وجهه ).
وهكذا رد الله للدعوة قيمها المجردة، وموازينها الدقيقة. ورد كيد الشيطان فيما أراد أن يدخل من تلك الثغرة. ثغرة الرغبة البشرية في استمالة كبراء قريش بإجابة رغبتهم في أن لا يحضر هؤلاء الفقراء مجلسهم مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وقيم الدعوة أهم من أولئك الكبراء، وما يتبع إسلامهم من إسلام الألوف معهم وتقوية الدعوة في نشأتها بهم - كما كان يتمنى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] والله أعلم بمصدر القوة الحقيقية، وهو الاستقامة التي لا ترعى هوى شخصيا ولا عرفا جاريا !
ولعله مما يلحق بالمثلين المتقدمين ما حدث في أمر زينب بنت جحش ابنة عمة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فقد زوجها من زيد بن حارثة - رضي الله عنه - وكان قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له : زيد بن محمد. فأراد الله أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة فقال تعالى :( ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله )وقال :( وما جعل أدعياءكم أبناءكم ).. وكان زيد - رضي الله عنه - أحب الناس إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فزوجه من ابنة عمته زينب بنت جحش - رضي الله عنها - فلم تستقم بينهما الحياة.. وكانوا في الجاهلية يكرهون أن يتزوج المتبني مطلقة متبناه. فأراد الله سبحانه إبطال هذه العادة، كما أبطل نسبة الولد إلى غير أبيه. فأخبره رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] أنه سيزوجه من زينب بعد أن يطلقها زيد - لتكون هذه السنة مبطلة لتلك العادة - ولكن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أخفى في نفسه ما أخبره به الله. وكان كلما شكا إليه زيد تعذر الحياة مع زينب قال له :( أمسك عليك زوجك )مراعيا في هذا كراهية القوم لزواجه منها حين يطلقها زيد. وظل يخفي ما قدر الله إظهاره حتى طلقها زيد.. فأنزل الله في هذا قرآنا، يكشف عما جال في خاطر الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ويقرر القواعد التي أراد الله أن يقوم تشريعه في هذه المسألة عليها :
وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه : أمسك عليك زوجك واتق الله. وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطرأ زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا. وكان أمر الله مفعولا..
ولقد صدقت عائشة - رضى الله عنها وهي تقول : لو كتم محمد [ صلى الله عليه وسلم ] شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله تعالى لكتم :( وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه )..
وهكذا أنفذ الله شريعته وأحكمها، وكشف ما خالج خاطر رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من كراهية القوم لزواجه من مطلقة دعيه. ولم يمكن للشيطان أن يدخل من هذه الثغرة. وترك الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم يتخذون من هذه الحادثة، مادة للشقاق والجدال ما تزال ! ! !
هذا هو ما نطمئن إليه في تفسير تلك الآيات. والله الهادي إلى الصواب.
ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات - بعد الرسل - والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها.. تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلا فيها، ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصمونها !
ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة، ولا مع منهج الدعوة المستقيم. وذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها. واجتهادا في تحقيق " مصلحة الدعوة " ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير. أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله. فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ؛ إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق، وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله. ولن تكون إلا خيرا في نهاية المطاف.
وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك لينفذ منها إلى صميم الدعوة. وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم. فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية، والتحرج البالغ، خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه " مصلحة الدعوة ".. إن كلمة " مصلحة الدعوة " يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات، لأنها مزلة، ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ! ولقد تتحول " مصلحة الدعوة " إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل !.. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب، سواء كان هذا الانحراف كثيرا أو قليلا. والله أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين. إنما هم مكلفون بأمر واحد. ألا ينحرفوا عن المنهج، وألا يحيدوا عن الطريق..

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير