ﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺ

يقول تعالى :
والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ( ٥٨ ) :
وفي موضع آخر يقول تعالى : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ( ٤٠ ) [ الحج ] : هؤلاء تحملوا الكثير، وتعبوا في سبيل عقيدتهم، فلا بد أن يعوضهم الله عن هذه التضحيات، لذلك يقول هنا : والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا ( ٥٨ ) [ الحج ] : وأوضحنا أن الموت غير القتل : الموت أن تخرج الروح دون نقض للبنية، أما القتل فهو نقض للبنية يترتب عليه خروج الروح.
ليرزقنهم الله رزقا حسنا.. ( ٥٨ ) [ الحج ] : تعويضا لهم عما فاتوه في بلدهم من أهل ومال، كما يعوض الحاكم العادل المظلوم فيعطيه أكثر مما أخذ منه، لذلك يقول سبحانه في موضع آخر : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. ( ١٠٠ ) [ النساء ].
لأن من قتل فقد فاز بالشهادة ونال إحدى الحسنيين، أما من مات فقد حرم هذا الشرف، لذلك فقد وقع أجره على الله، وما بالك بأجر مؤديه ربك عز وجل ؟ وكما لو أن رجلا متعبا يسير ليس معه شيء ولا يجد حتى من يقرضه، وفجأة سقطت رجله في حفرة فتكدر وقال : حتى هذه ؟ لكن سرعان ما وجد قدمه قد أثارت شيئا في التراب له بريق، فإذا هو ذهب كثير وقع عليه بنفسه.
ويروى أن فضالة١ حضرهم وهم يدفنون شهيدا، وآخر مات غير شهيد، فرأوه ترك قبر الشهيد وذهب إلى قبر غير الشهيد، فلما سألوه : كيف يترك قبر الشهيد إلى غير الشهيد ؟ قال : والله ما أبالي في أي حفرة منهما بعثت٢ ما دام قد وقع أجري على الله، ثم تلا هذه الآية : ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. ( ١٠٠ ) [ النساء ].
ثم يقول سبحانه : وإن الله لهو خير الرازقين ( ٥٨ ) [ الحج ] : حين يصف الحق سبحانه ذاته بصفة، ثم تأتي بصيغة الجمع، فهذا يعني أن الله تعالى أدخل معه الخلق في هذه الصفة، كما سبق أن تكلمنا في قوله تعالى : فتبارك الله أحسن الخالقين ( ١٤ ) [ المؤمنون ].
فقد أثبت للخلق صفة الخلق، وأشركهم معه سبحانه في هذه الصفة، لأنه سبحانه لا يبخس عباده شيئا، ولا يحرمهم ثمرة مجهودهم، فكل من أوجد شيئا فقد خلقه، حتى في الكذب قال وتخلقون إفكا.. ( ١٧ ) [ العنكبوت ].
لأن الخلق إيجاد من عدم، فأنت حين تصنع مثلا كوب الماء من الزجاج أوجدت ما لم يكن موجودا، وإن كنت قد استخدمت المواد المخلوقة لله تعالى، وأعملت فيها عقلك حتى توصلت إلى إنشاء شيء جديد لم يكن موجودا، فأنت بهذا المعنى خالق حسن، لكن خلق ربك أحسن، فأنت تخلق من موجود، وربك يخلق من عدم، وما أوجدته أنت يظل على حالته ويجمد على خلقتك له، ولا يتكرر بالتناسل، ولا ينمو، وليست فيه حياة، أما خلق ربك سبحانه فكما تعلم.
كذلك يقول سبحانه هنا : وإن الله لهو خير الرازقين ( ٥٨ ) [ الحج ] : فأثبت لخلقه أيضا صفة الرزق، من حيث هم سبب فيه، لأن الرزق : هو كل ما ينتفع به حتى الحرام يعد رزقا، لذلك قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ( ١٧٢ ) [ البقرة ].
نقول : فالعبد سبب في الرزق، لأن الله تعالى هو خالق الرزق أولا، ثم أعطاك إياه تنتفع به وتعمل فيه، وتعطي منه للغير، فالرزق منك مناولة عن الرازق الأول سبحانه، فأنت بهذا المعنى رازق وإن كرهوا أن يسمى الإنسان رازقا، رغم قوله تعالى : وإن الله لهو خير الرازقين ( ٥٨ ) [ الحج ]. لماذا ؟ قالوا : حتى لا يفهم أن الرزق من الناس.
لذلك نسمع كثيرا من العمال البسطاء، أو موظفا صغيرا، أو بواب عمارة مثلا حين يفصله صاحب العمل، يقول له : يا سيدي الأرزاق بيد الله. كيف وقد كنت تأخذ راتبك من يده ومن ماله ؟ قالوا : لأنه نظر إلى المناول الأول للرزق، ولم ينظر إلى المناول الثاني.

١ - هو: فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي، أبو محمد، صحابي ممن بايع تحت الشجرة شهد أحدا وما بعدها، وشهد فتح الشام ومصر، وسكن الشام، ولي الغزو والبحر بمصر، ثم ولاه معاوية قضاء دمشق وتوفي فيها عام (٥٣ ه) [الأعلام للزركلي ٥/١٤٦]..
٢ - ذكره القرطبي في تفسيره (٦/٤٦٢٠) وعزاه لابن المبارك أنه ذكر عن فضالة بن عبيد..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير