ﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧ ﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ ﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹ ﰿ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ ﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

وأما المقاتلون المدافعون عن أنفسهم: فإن الله وعدهم بالنصر في الدنيا، لبغي الكفار عليهم، وإن الله عفا عن المؤمنين ذنوبهم وقتالهم في الشهر الحرام، وستر ذلك عليهم.
وسمي جزاء العقوبة عقوبة في قوله تعالى: وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ لاستواء الفعلين في الصورة، مثل: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [الشورى ٤٢/ ٤٠] ومثل: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة ٢/ ١٩٤].
من دلائل قدرة الله تعالى
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦١ الى ٦٦]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)

صفحة رقم 259

الإعراب:
فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ تصبح: مرفوع لا منصوب، محمول على معنى أَلَمْ تَرَ ومعناه: انتبه يا ابن آدم! أنزل الله من السماء ماء، ولو صرح بقوله: انتبه، لم يجز فيه إلا الرفع، فكذلك ما هو بمعناه.
البلاغة:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ.. الآية: امتنان بتعداد النعم، والاستفهام للتقرير.
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بينهما طباق.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ صيغة مبالغة أي مبالغ في الجحود.
المفردات اللغوية:
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ أي ذلك النصر بسبب أنه قادر على أن يدخل كلا من الليل والنهار في الآخر، بأن يزيد به، وقادر على تغليب بعض الأمور على بعض. سَمِيعٌ بَصِيرٌ يسمع أقوال عباده المؤمنين والكفار، بصير بما يصدر عنهم من أفعال.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي ذلك الوصف بكمال القدرة والعلم، والنصر أيضا، بسبب أن الله هو الثابت في نفسه، الواجب لذاته وحده، فإن وجوب وجوده، ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه، عالما بذاته وبما عداه، أو الثابت الألوهية، ولا يصلح لها إلا من كان قادرا عالما. مِنْ دُونِهِ إلها من الأصنام. هُوَ الْباطِلُ الزائل، المعدوم في حد ذاته، أو باطل الألوهية. الْعَلِيُّ العالي على الأشياء بقدرته. الْكَبِيرُ عن أن يكون له شريك، ولا شيء أعلى منه شأنا، وأكبر منه سلطانا، وهو الذي يصغر كل شيء سواه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي ألم تعلم أن الله أنزل مطرا من السماء وهو استفهام تقرير، ولذلك رفع فَتُصْبِحُ.. عطف على أَنْزَلَ إذ لو نصب جوابا للاستفهام، لدل على نفي الاخضرار، كما في قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، فإن نصبت فأنت ناف لتكريمه، وإن رفعته فأنت مثبت للتكريم، والمقصود إثباته. وإنما عدل ب فَتُصْبِحُ المضارع عن صيغة الماضي، للدلالة على بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان. لَطِيفٌ بعباده يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق ومنه إخراج النبات. خَبِيرٌ بالتدابير الظاهرة والباطنة، وبما في قلوب العباد، ومنه قلقهم عند تأخير المطر.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقا وملكا. الْغَنِيُّ في ذاته عن كل شيء.
الْحَمِيدُ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.

صفحة رقم 260

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ألم تعلم أن الله جعل جميع ما في الأرض مذللة لكم، معدّة لمنافعكم. وَالْفُلْكَ السفن. عطف على ما أو على اسم أَنَّ. تَجْرِي فِي الْبَحْرِ للركوب والحمل، والجملة: حال من الْفُلْكَ، أو خبر. الْفُلْكَ على قراءة الرفع على الابتداء. بِأَمْرِهِ بإذنه. أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ من أن تقع أو لئلا تقع، يأن خلقها على صورة متينة مستمسكة. إِلَّا بِإِذْنِهِ أي إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة، وفيه رد على القول باستمساكها بذاتها. رَحِيمٌ بتسخير ما في الأرض، وإمساك السماء، والتهيئة لعباده أسباب الاستدلال، وفتح أبواب المنافع عليهم، ودفع أنواع المضارّ عنهم.
أَحْياكُمْ بالإنشاء بعد أن كنتم جمادا: عناصر ونطفا. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انتهاء آجالكم.
ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في الآخرة عند البعث. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ لجحود للنعم مع ظهورها، تارك توحيد الله تعالى.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى عظيم قدرته على تحقيق النصر للمؤمنين، أتى بأنواع من الدلائل على قدرته البالغة، من إيلاج الليل في النهار وبالعكس وخلقه لهما وتصرفه فيهما وعلمه بما يجري فيهما، وإنزال المطر لإنبات النبات، وخلقه السموات والأرض وملكه لهما، وتسخيره ما في الأرض والفلك، وإمساك السماء من الوقوع على الأرض، والإحياء والإماتة ثم الإحياء.
التفسير والبيان:
أورد الله تعالى في هذه الآيات أنواعا من الدلائل على قدرته البالغة وعلمه الشامل، ومن كان قادرا على كل شيء، عالما بكل شيء، كان قادرا على النصر، فقال:
١- ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي ذلك النصر المذكور بسبب أنه قادر على كل شيء، فهو يولج ويدخل الليل في النهار ويولج ويدخل النهار في الليل، بمعنى زيادة أحدهما على حساب الآخر، فيزيد في أحدهما من الساعات ما ينقص من الآخر، فتارة يطول الليل ويقصر

صفحة رقم 261

النهار كما في الشتاء، وتارة يطول النهار ويقصر الليل كما في الصيف، فالقادر على ذلك قادر قطعا على نصرة المظلوم، وإثابة الطائع، ومجازاة العاصي.
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ أي وذلك بسبب أن الله سميع لكل دعاء أو قول، بصير بكل عمل أو حال، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذا يعني أن الله تعالى هو الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، كما قال: قُلِ: اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ، وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ [آل عمران ٣/ ٢٦- ٢٧].
وعلة هذه القدرة الفائقة ما قال:
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ أي ذلك الوصف المتقدم من القدرة الكاملة والعلم التام لله تعالى لأجل أن الله هو الحق، أي الموجود الثابت الواجب لذاته، بلا مثيل ولا شريك، بمعنى أنه هو مصدر الوجود، وأنه الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له لأنه ذو السلطان العظيم، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، وأن ما يعبدون من دونه من الآلهة من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من غير الله هو باطل، لا يقدر على صنع شيء، ولا يملك ضرا ولا نفعا لأنه عاجز ضعيف، ومصنوع مخلوق لربه القادر.
وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ أي ولأن الله تعالى المتعالي على كل شيء بقدرته وعظمته، الكبير عن أن يكون له شريك، إذ هو العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا شيء أعلى منه شأنا، الكبير الذي لا أكبر منه، ولا أعز ولا

صفحة رقم 262

أكبر منه سلطانا، كما قال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة ٢/ ٢٥٥] وقال:
الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ [الرعد ١٣/ ٩].
والمقصود: كيف يصح لعبدة الأصنام وأمثالها عبادة من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا، ويتركون عبادة من بيده كل شيء، وهو القادر على كل شيء؟! ٢- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله يرسل الرياح، فتثير سحابا، فيمطر على الأرض الجرز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة، فتصبح زاهية نضرة، مخضرة بالنباتات والأزهار ذات الألوان البديعة، والأشكال الرائعة، بعد يبسها وجمودها، قال الخليل: المعنى انتبه! أنزل الله من السماء ماء، فكان كذا وكذا. وقوله:
مُخْضَرَّةً أي ذات خضرة، على وزن مفعلة كمبقلة ومسبعة، أي ذات بقل وسباع.
إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ أي إن الله رحيم لطيف بعباده، يدبر لهم أمر المعاش، وأصل علمه أو فضله إلى كل شيء، عليم بما في أنحاء الأرض من الحب مهما صغر، خبير بمصالح خلقه ومنافعهم وأحوالهم، لا يخفى عليه خافية، فيحقق لهم المصلحة بتدبيره، كما قال تعالى حكاية عن لقمان: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان ٣١/ ١٦] وقال سبحانه: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ، وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [يونس ١٠/ ٦١].
٣- لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ جميع ما في السموات وما في الأرض لله سبحانه خلقا وملكا وعبيدا، أي جميع الأشياء هي

صفحة رقم 263

مخلوقة له، مملوكة له، عبيد له، منقادة خاضعة لأمره، متصرف فيها كيف يشاء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، عبد لديه. وهذا دليل آخر على القدرة الإلهية الشاملة.
٤- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي ألم تعلم أن الله ذلل لكم أيها البشر جميع ما في ظاهر الأرض وباطنها، من حيوان وجماد ومعدن وزروع وثمار، لينتفع بها الإنسان في مصالحه المختلفة، كما قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [الجاثية ٤٥/ ١٣] أي من إحسانه وفضله وامتنانه.
وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ أي وسخر لكم السفن، جارية في البحار، لنقل الركاب والبضائع، بتسخيره وتسييره، متنقلة من بلد إلى بلد، ومن قطر إلى قطر، فيتم تبادل الحوائج والمنافع، ويتعايش الناس متعاونين، يحققون بها ما يحتاجون إليه ويريدون.
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ أي ويحفظ السماء بما فيها من كواكب ونجوم بالجاذبية، وبتخصيص مدار ثابت خاص لكل منها، بمشيئته وإرادته، ولو شاء لأذن للسماء، فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته يمسك السماء من أن تقع على الأرض إلا بإذنه وأمره، وذلك يوم القيامة حيث تتساقط الكواكب وتتصدع السموات، كما قال تعالى:
إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ [الانفطار ٨٢/ ١- ٢] ولولا هذا النظام الدقيق لا لاصطدمت الكواكب ببعضها، ودمرت الأرض بما عليها، لذا قال:
إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ أي إن الله تعالى رؤف رحيم بالناس على ظلمهم، فمتعهم بجمال السماء والأرض، وأرشدهم إلى الاستدلال بآيات الكون على وجوده ووحدانيته.

صفحة رقم 264

٥- وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ أي وهو الذي أحياكم من العدم، وخلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا يذكر، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم وأعماركم، والموت ستر ونعمة، ثم يحييكم بالبعث يوم القيامة. ويلاحظ اختيار الصيغ المناسبة للتعبير، فهو أولا عبر بالماضي لأنه تم وحدث، ثم أشار إلى المرحلة المرتقبة وهو الموت، ثم الحياة الجديدة في عالم الآخرة.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ أي إن الإنسان جحود نعم الله تعالى، فلم يقدر تلك النعم، ويهتدي بها إلى عبادة الله وتوحيده، وهجر كل ما عداه من الآلهة المزعومة، وهو مثل قوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات ١٠٠/ ٦].
ونظير الآية قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة ٢/ ٢٨] وقوله: قُلِ: اللَّهُ يُحْيِيكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لا رَيْبَ فِيهِ [الجاثية ٤٥/ ٢٦].
فقه الحياة أو الأحكام:
موضوع الآيات الاستدلال على كمال قدرته تعالى وكمال علمه، وتلك الأدلة هي ما يأتي:
١- من آيات قدرة الله البالغة كونه خالقا لليل والنهار، ومتصرفا فيهما، فوجب أن يكون قادرا عالما بما يجري فيهما، وإذا كان قادرا عليما، كان قادرا على نصر من شاء من عباده، يفعل ما يلائم الحكمة والمصلحة، فهو يسمع الأقوال، ويبصر الأفعال، فلا يعزب عنه مثقال ذرّة، ولا دبيب نملة إلا يعلمها ويسمعها ويبصرها.
٢- ذلك الوصف المتقدم من قدرة الله على هذه الأمور لأجل أن الله هو الحق أي الموجود الواجب لذاته، الذي يمتنع عليه التغير والزوال، فيأتي بالوعد

صفحة رقم 265

والوعيد. أو أنه ذو الحق، فدينه الحق، وعبادته حق، والمؤمنون بحق يستحقون منه النصر بحكم وعده الحق.
وأما الأصنام فلا استحقاق لها في العبادات، والله هو العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأنداد، المقدس عما يقول الظالمون من الصفات التي لا تليق بجلاله. وهو الكبير المتعال أي الموصوف بالعظمة والجلال وكبر الشأن، الكبير عن أن يكون له شريك.
٣- ومن الأدلة على كمال قدرته إنزال المطر وإنبات النبات ذي الخضرة البديعة، السارّة لكل عين وقلب، ومن قدر على هذا قدر على إعادة الحياة بعد الموت كما قال الله عز وجل: فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج ٢٢/ ٥].
وقوله فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة.
وفي قوله: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ قال ابن عباس: خبير بما ينطوي عليه العبد من القنوط عند تأخير المطر. وهو لطيف بأرزاق عباده.
٤- لله تعالى جميع ما في السموات وما في الأرض خلقا وملكا وعبيدا، وكل محتاج إلى تدبيره وإتقانه، وإن الله لهو الغني الحميد، فلا يحتاج إلى شيء، وهو المحمود على كل حال، والكل منقاد له غير ممتنع من التصرف فيه، وهو غني عن الأشياء كلها، وعن حمد الحامدين أيضا لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته غني عن كل ما عداه في كل الأمور.
٥- هناك نعم كثيرة من الله على عباده تدل أيضا على قدرته ورحمته

صفحة رقم 266

ولطفه، منها أنه سخر (ذلل) لعباده كل ما في الأرض مما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار، كما قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة ٢/ ٢٩]. وسخر لكم الفلك في حال جريها، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [لقمان ٣١/ ٣١] وتسخير الفلك: بتسخير الماء والرياح لجريها.
وهو تعالى يمسك السماء لئلا تقع على الأرض، فيهلك الناس، إلا بإذن الله لها بالوقوع أو السقوط، فتقع بإرادته وتخليته، إن الله بالناس لرؤوف رحيم في هذه الأشياء التي سخرها لهم.
٦- ومن دلائل القدرة الإلهية: الإحياء والإماتة، فالله هو الذي خلقنا بعد أن كنا نطفا، ثم يميتنا عند انقضاء آجالنا، ثم يحيينا للحساب والثواب والعقاب، ولكن الإنسان لجحود لما ظهر من الآيات الدالة على قدرته ووحدانيته تعالى. قال ابن عباس: يريد الأسود بن عبد الأسد وأبا جهل بن هشام والعاص بن هشام، وجماعة من المشركين. والأولى- كما ذكر الرازي- تعميمه في كل المنكرين، وإنما قال ذلك لأن الغالب على الإنسان كفران النعم، كما قال تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ [سبأ ٣٤/ ١٣] وقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ زجر للإنسان عن الكفران، وبعث له على الشكر.

صفحة رقم 267

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية