قوله : وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا يعني القرآن «بَيِّنَاتٍ » لأنه متضمن للدلائل العقلية وبيان الأحكام. وقوله :«تَعْرِفُ » العامة على «تعرف » خطاباً مبنياً للفاعل، «المُنْكَر » مفعول به. وعيسى بن عمر «يُعْرَف » بالياء من تحت مبنياً للمفعول، «المنكر » مرفوع قائم مقام الفاعل١، والمنكر اسم مصدر بمعنى الإنكار.
وقوله :«الَّذِينَ كَفَرُوا » من إقامة الظاهر مقام المضمر للشهادة عليهم بذلك، قال الكلبي : تَعْرِف في وجوههم الكراهية للقرآن. وقال ابن عباس : التجبر والترفع. وقال مقاتل : أنكروا أن يكون من الله٢.
قوله :«يَكَادُونَ يَسْطُونَ » هذه حال إما من الموصول، وإن كان مضافاً إليه لأن المضاف جزؤه٣ وإما من الوجوه لأنها يُعَبَّرُ بها عن أصحابها كقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [ عبس : ٤٠ ] ثم قال :«أُولَئِكَ هُم »٤. و «يَسْطُونَ » ضُمن معنى يبطشون فتعدى تعديته٥، وإلا فهو متعدّ ب ( على ). يقال : سطا عليه، وأصله القهر والغلبة٦، وقيل : إظهار ما يهول للإخافة، ولفلان سطوة أي تسلط وقهر. وقال الخليل٧ والفراء٨ والزجاج٩ : السطو شدة البطش والمعنى يهمون بالبطش والوثوب تعظيماً لإنكار ما خوطبوا به١٠. أي : يكادون يبطشون بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من شدة الغيظ، يقال : سطا عليه وسطا به إذا تناوله بالبطش والعنف١١ ثم أمر رسوله بأن يقابلهم١٢ بالوعيد فقال : قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ من ذلكم أي بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون. أو من غيظكم على التالين وسطوكم عليهم أو مما أصابكم من الكراهة والضجر بسبب ما تلي عليكم١٣. قوله :«النار » تقرأ بالحركات الثلاث، فالرفع١٤ من وجهين :
أحدهما : الرفع على الابتداء والخبر الجملة من «وعَدَهَا اللَّهُ »١٥، والجملة لا محل لها فإنها مفسرة للشر المتقدم كأنه قيل : ما شر من ذلك ؟ ( فقيل : النار وعدها الله.
والثاني : أنها خبر مبتدأ مضمر كأنه قيل : ما شر من ذلك١٦ ) فقيل : النار أي : هو النار١٧ وحينئذ يجوز في «وَعَدَهَا اللَّهُ » الرفع على كونها خبراً بعد خبر١٨، وأجيز أن يكون بدلاً من النار. وفيه نظر من حيث إن المبدل منه مفرد، وقد يجاب عنه بأن الجملة في تأويل مفرد١٩، ويكون بدل اشتمال، كأنه قيل : النار وعدها الله الكفار.
وأجيز أن تكون مستأنفة لا محل لها٢٠. ولا يجوز أن تكون حالاً، قال أبو البقاء لأنه ليس في الجملة ما يصلح أن يعمل في الحال ٢١.
وظاهر نقل أبي حيان عن الزمخشري أنه يجيز كونها حالاً فقال : وأجاز الزمخشري أن تكون «النَّارُ » مبتدأ و «وَعَدَها » خبر، وأن تكون حالاً على الإعراب الأول٢٢ انتهى.
والإعراب الأول هو كون «النار » خبر مبتدأ مضمر. والزمخشري لم يجعلها حالاً إلا إذا نصبت «النار » أو جررتها بإضمار قد ٢٣. هذا نصه وإنما منع ذلك لما تقدم من قول أبي البقاء، وهو عدم العامل. وأما النصب فهو قراءة زيد بن علي وابن أبي عبلة٢٤. وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها منصوبة بفعل مقدر يفسره الفعل الظاهر، والمسألة من الاشتغال٢٥.
الثاني : قال الزمخشري : إنها منصوبة على الاختصاص٢٦.
الثالث : أن ينتصب بإضمار أعني٢٧، وهو قريب مما قبله أو هو هو. وأما الجر فهو قراءة ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح٢٨، على البدل من «شَرّ »٢٩ والضمير في «وَعَدَهَا » قال أبو حيان : الظاهر أنه هو المفعول الأول، على أنه تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قوله تعالى : وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ٣٠ [ ق : ٣٠ ]، ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني و «الَّذِينَ كَفَرُوا » هو المفعول الأول، كما قال : وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ ٣١ ٣٢ [ التوبة : ٦٨ ]. قال شهاب الدين : وينبغي أن يتعين هذا الثاني، لأنه متى اجتمع بعد ما يتعدى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول، فالفاعل المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول، ونعني بالفاعل المعنوي من يتأتى منه فعل، فإذا قلت : وعدت زيداً ديناراً. فالدينار هو المفعول، لأنه لا يتأتى منه فعل، وهو نظير أعطيت زيداً درهماً. فزيد هو الفاعل، لأنه آخذ للدرهم ٣٣.
وقوله :«وَبِئْسَ المَصِير » المخصوص بالذم محذوف تقديره : وبئس المصير هي النار.
فصل
والمعنى : أن الذي ينالكم من النار أعظم مما ينالكم عند تلاوة هذه الآيات من الغضب والغم، وهي النار وعدها الله الذين كفروا إذا ماتوا على كفرهم وبئس المصير هي.
٢ انظر الفخر الرازي ٢٣/٦٧..
٣ تقدم الكلام في مجيء الحال..
٤ من قوله تعالى: وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة [عبس: ٤٠ – ٤١، ٤٢] انظر التبيان ٢/٩٤٨..
٥ أي: تعدى بالباء..
٦ اللسان (سطا)..
٧ العين (سطو) ٧/٢٧٧..
٨ معاني القرآن ٢/٢٣٠...
٩ معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٤٣٨..
١٠ انظر الفخر الرازي ٢٣/ ٦٨..
١١ انظر البغوي ٥/٦١٢..
١٢ في ب: يعاملهم. وهو تحريف..
١٣ انظر الكشاف ٣/٤٠..
١٤ وهو قراءة الجمهور. البحر المحيط ٦/٣٨٩..
١٥ انظر البيان ٢/١٧٩، الكشاف ٣/٤٠..
١٦ ما بين القوسين سقط من ب..
١٧ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٣/ ٤٣٨، الكشاف ٣/٤٠، البيان ٢/١٧٩، التبيان ٢/٩٤٨..
١٨ انظر الكشاف ٣/٤٠..
١٩ تقدم الكلام على بدل الجملة من المفرد، وقد أجازه ابن جني والزمخشري وابن مالك..
٢٠ انظر الكشاف ٣/٤٠، التبيان ٢/٩٤٨..
٢١ انظر التبيان ٢/٩٤٨..
٢٢ البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٢٣ قال الزمخشري: (وأن يكون حالا عنها إذا نصبتها أو جررتها بإضمار قد) الكشاف ٣/٤٠..
٢٤ البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٢٥ انظر التبيان ٢/٩٤٨، البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٢٦ الكشاف ٣/٤٠..
٢٧ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٣٨، التبيان ٢/٩٤٨..
٢٨ البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٢٩ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٢/٤٣٨، الكشاف ٣/٤٠، التبيان ٢/٩٤٨، البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٣٠ من قوله تعالى: يوم نقول لجهنم هلا امتلأت وتقول هل من مزيد [ق: ٣٠]..
٣١ [التوبة: ٦٨]..
٣٢ البحر المحيط ٦/٣٨٩..
٣٣ الدر المصون٥/٨١..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود