ﭕﭖﭗﭘﭙ

قوله : فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ الجار متعلق بما بعده، وقُدّم للاهتمام به، وحسنه كون١ متعلقه فاصلة، وكذا٢ فيما بعده من أخواته، وأضيف الصلاة إليهم، لأنهم هم المنتفعون بها، والمُصلى له غَنِيٌّ عنها، فلذلك أضيفت إليهم دونه٣.

فصل


اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ومنهم من جمع بين الأمرين، وهو الأولى٤.
قال ابن عباس٥ : مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة : خائفون. وقال مقاتل : متواضعون. وقال مجاهد : هو غض البصر وخفض الصوت، والخشوع قريب من الخضوع إلا أنّ الخضوع في البدن، والخشوع في القلب٦ والبصر والصوت قال تعالى : وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن٧ . [ طه : ١٠٨ ]. وعن عليّ : هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وقال سعيد بن جبير : هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره٨. وقال عطاء : هو أن تعبث بشيء من جسدك، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال :«لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه »٩. وقال١٠ ابن الخطيب : وهو١١ عندنا واجب، ويدل عليه أمور :
أحدها : قوله تعالى : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ١٢. [ محمد : ٢٤ ]. والتدبير لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وقوله تعالى : وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً ١٣ [ المزمل : ٤ ] أي : قفوا على عجائبه ومعانيه.
وثانيها : قوله تعالى : أَقِمِ الصلاة لذكري ١٤ [ طه : ١٤ ] وظاهر١٥ الأمر للوجوب، والغفلة تضاد الذكر١٦، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره.
وثالثها : قوله تعالى : وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين ١٧ [ الأعراف : ٢٠٥ ] وظاهره١٨ للتحريم، وقوله : حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ ١٩ [ النساء : ٤٣ ] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق في الدنيا.
ورابعها : قوله - عليه السلام٢٠ - «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً »٢١ وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، قال عليه السلام٢٢ :«كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنصب »٢٣ وما أراد به إلا الغافل، وقال أيضاً :«ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل »، وقالت عائشة - رضي الله عنها٢٤ - سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة، فقال :«هو اختلاسٌ٢٥ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ من صلاة العبد »٢٦ وعن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :«لا يزال الله - عزَّ وجلَّ٢٧ - مُقْبِلاً على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه »٢٨. وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأنّ اشتراط الخضوع والخشوع خلاف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه.
وأُجيب بأن هذا الإجماع ممنوع، لأن المتكلمين اتفقوا على أنه لا بُدّ من الخضوع والخشوع، واحتجوا بأن السجود لله تعالى٢٩ طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا : وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد : إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور٣٠.
١ في ب: كونه. وهو تحريف..
٢ في ب: وكذلك..
٣ انظر الكشاف ٣/٤٢..
٤ انظر الفخر الرازي ٢٣/٧٨..
٥ من هنا نقله ابن عادل عن البغوي ٦/٤..
٦ في النسختين: البدن والتصويب من البغوي..
٧ من قوله تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا [طه: ١٠٨]..
٨ آخر ما نقله هنا عن البغوي ٦/٤..
٩ أخرجه الحكيم الترمذي عن أبي هريرة. البغوي ٦/ ٥ – ٦ الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف (١١٥) والدر المنثور ٥/٧ – ٤..
١٠ في الأصل: قال..
١١ في ب: فهو..
١٢ [محمد: ٢٤]..
١٣ [المزمل: ٤]..
١٤ من قوله تعالى: إنني أنا الله لا إله إلا الله فاعبدني وأقيم الصلاة لذكري [طه: ١٤]..
١٥ في الأصل: وظاهرها..
١٦ في النسختين: الفكر..
١٧ من قوله تعالى: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين [الأعراف: ٢٠٥]..
١٨ في ب: وظاهر..
١٩ من قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون [النساء: ٤٣]..
٢٠ في ب: عليه الصلاة والسلام..
٢١ ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس. تفسير ابن كثير ٣/٤١٤..
٢٢ في ب: وقال عليه الصلاة والسلام..
٢٣ أخرجه ابن ماجه (صيام) ١/٥٣٩ والدارمي (رقاق) ٢/٣٠١، أحمد بن حنبل ٢/٣٧٣، ٤٤١..
٢٤ رضي الله عنها: سقط من الأصل..
٢٥ في الأصل: الاختلاس..
٢٦ أخرجه البخاري (أذان) ١/١٣٧، (وبدء الخلق) ٢/٢٢٣، وأبو داود (صلاة) ١/٥٦٠، والنسائي (سهو) ٣/٨، والترمذي (جمعة) ٢/٥١، والإمام أحمد ٦/٧٠، ١٠٦..
٢٧ في ب: تعالى..
٢٨ أخرجه النسائي (سهو) ٣/٨، وأبو داود ١/٣٣١، والإمام أحمد ٥/١٧٢، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٥/٤..
٢٩ تعالى: سقط من الأصل..
٣٠ الفخر الرازي ٢٣/ ٧٨ – ٨٠..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية