وأبرز كتاب الله في الآيات العشر الأوائل من هذه السورة ما يثمره الإيمان بالله واليوم الآخر في نفوس المومنين من جميل الخصال وكريم الصفات، وما يتحلون به في سلوكهم الخاص وسلوكهم العام من المزايا والمميزات :
فعبر عن العلامة الأولى التي تميز المومنين المفلحين بقوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون ، إشارة إلى أنهم لا يكتفون في صلاتهم باستيفاء شروطها الظاهرة، بل يدركون تمام الإدراك أن المصلي الذي يناجي ربه لا يمكن أن يدرك لذة المناجاة وسرها وهو مشغول الفكر بنفسه، غافل عن ربه في الوقت الذي يناجيه، فلا بد من أن يقبل على الصلاة وهو متفرغ لها من جميع الشواغل، وبذلك يتمكن من خشوع قلبه وحضوره مع الله، واستحضار جلاله وعظمته عند عبادته، ومراعاة منتهى الأدب اللازم للوقوف في حضرته، ومتى خشع قلبه خشعت جوارحه، ودخلت صلاته في عداد الأعمال الصالحة المقبولة عند الله، وإلا كانت صلاته شبحا بدون روح، وحركة مجردة بدون هدف، مع أن المصلي ليس له من صلاته إلا ما عقل ووعى وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون [ البقرة : ٤٥، ٤٦ ] ولا تكن من الغافلين [ الأعراف : ٢٠٥ ].
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري