- قَوْله تَعَالَى: الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون
أخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن جرير وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن مُحَمَّد ابْن سِيرِين قَالَ: نبئت أَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا صلى يرفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَنزلت الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون
وَأخرج عبد بن حميد وَأَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من وَجه آخر عَن ابْن سِيرِين قَالَ: كَانَ النَّبِي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا قَامَ فِي الصَّلَاة نظر هَكَذَا وَهَكَذَا يَمِينا وَشمَالًا فَنزلت الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون فحنى رَأسه
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن مُحَمَّد ابْن سِيرِين قَالَ: كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة ويلتفتون يَمِينا وَشمَالًا فَأنْزل الله قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون فَقَالُوا برؤوسهم فَلم يرفعوا أَبْصَارهم بعد ذَلِك فِي الصَّلَاة وَلم يلتفتوا يَمِينا وَلَا شمالاً
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة عَن ابْن سِيرِين قَالَ كَانَ رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - رُبمَا ينظر إِلَى الشَّيْء فِي الصَّلَاة فَرفع بَصَره حَتَّى نزلت آيَة إِن لم تكن هَذِه فَلَا أَدْرِي مَا هِيَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون فَوضع رَأسه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا صلى رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء فَنزلت الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون فطأطأ رَأسه
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عمر فِي قَوْله الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: كَانُوا إِذا قَامُوا فِي الصَّلَاة اقْبَلُوا على صلَاتهم وخفضوا أَبْصَارهم إِلَى مَوضِع سجودهم وَعَلمُوا أَن الله يقبل عَلَيْهِم فَلَا يلتفتون يَمِينا لَوْلَا شمالاً
وَأخرج ابْن الْمُبَارك فِي الزّهْد وَعبد الرَّزَّاق وَالْفِرْيَابِي وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَليّ أَنه سُئِلَ عَن قَوْله الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: الْخُشُوع فِي الْقلب وَإِن تلين كنفك للمرء الْمُسلم وَأَن لَا تلْتَفت فِي صَلَاتك
وَأخرج ابْن جرير وان الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: خائفون ساكنون
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أبي بكر الصّديق قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - تعوذوا بِاللَّه من خشوع النِّفَاق
قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ: خشوع الْبدن ونفاق الْقلب
وَأخرج ابْن الْمُبَارك وَابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: استعيذوا بِاللَّه من خشوع النِّفَاق
قيل لَهُ: وَمَا خشوع النِّفَاق قَالَ: إِن ترى الْجَسَد خَاشِعًا وَالْقلب لَيْسَ بخاشع
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن قَتَادَة قَالَ: الْخُشُوع فِي الْقلب هُوَ الْخَوْف وغض الْبَصَر فِي الصَّلَاة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَعبد بن حميد وَابْن جرير عَن إِبْرَاهِيم الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: الْخُشُوع فِي الْقلب
وَقَالَ: ساكتون
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: كَانَ خشوعهم فِي قُلُوبهم فغضوا بذلك أَبْصَارهم وخفضوا لذَلِك الْجنَاح
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن الزُّهْرِيّ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون قَالَ: هُوَ سُكُون الْمَرْء فِي صلَاته
وَأخرج ابْن الْمُبَارك وَعبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر عَن مُجَاهِد فِي الْآيَة قَالَ: الْخُشُوع فِي الصَّلَاة السُّكُوت فِيهَا
وَأخرج ابْن سعد وَابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد عَن مُجَاهِد عَن عبد الله بن الزبير
أَنه كَانَ يقوم للصَّلَاة كَأَنَّهُ عود وَكَانَ أَبُو بكر رَضِي الله عَنهُ يفعل ذَلِك
وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ الْخُشُوع فِي الصَّلَاة
واخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ من طَرِيق الْقَاسِم بن مُحَمَّد عَن أَسمَاء بنت أبي بكر عَن أم رُومَان وَالِدَة عَائِشَة قَالَت: رَآنِي أَبُو بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ أتميل فِي صَلَاتي فزجرني زَجْرَة كدت أنصرف من صَلَاتي قَالَ: سَمِعت رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول إِذا قَامَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فليسكن أَطْرَافه لَا يتميل الْيَهُود فَإِن سُكُون الْأَطْرَاف فِي الصَّلَاة من تَمام الصَّلَاة
وَأخرج الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه رأى رجلا يعبث بحليته فِي صلَاته فَقَالَ: لَو خشع قلب هَذَا خَشَعت جوارحه
وَأخرج ابْن سعد عَن أبي قلَابَة قَالَ: سَأَلت مُسلم بن يسَار عَن الْخُشُوع فِي الصَّلَاة فَقَالَ: تضع بَصرك حَيْثُ تسْجد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: سَأَلت رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الِالْتِفَات فِي الصَّلَاة فَقَالَ: هُوَ اختلاس يختلسه الشَّيْطَان من صَلَاة العَبْد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ فِي مَرضه (اقعدوني اقعدوني فَإِن عِنْدِي وَدِيعَة أودعتها رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ: لَا يلْتَفت أحدكُم فِي صلَاته فَإِن كَانَ لَا بُد فَاعِلا فَفِي غير مَا افْترض الله عَلَيْهِ
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة من طَرِيق عَطاء قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: إِذا صليت فَإِن رَبك أمامك وَأَنت مناجيه فَلَا تلْتَفت
قَالَ عَطاء: وَبَلغنِي أَن الرب يَقُول: يَا ابْن آدم إِلَى من تلْتَفت أَنا خير لَك مِمَّن تلْتَفت إِلَيْهِ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: اياكم والالتفاف فِي الصَّلَاة فَإِنَّهُ لَا صَلَاة للمتلفت وَإِذا غلبتم على تطوع فَلَا تغلبُوا على الْمَكْتُوبَة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِن الله لَا يزَال مُقبلا على العَبْد
مَا دَامَ فِي صلَاته مَا لم يحدث أَو يلْتَفت
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن منقذ قَالَ: إِذا قَامَ الرجل إِلَى الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَإِذا الْتفت أعرض عَنهُ
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن كَعْب قَالَ: إِذا قَامَ الرجل فِي الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ مَا لم يلْتَفت
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن الحكم قَالَ: إِن من تَمام الصَّلَاة أَن لَا تعرف من عَن يَمِينك وَلَا من عَن شمالك
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من طَرِيق جُبَير بن نفير بن عَوْف بن مَالك أَن رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - نظر إِلَى السَّمَاء يَوْمًا فَقَالَ: هَذَا أَوَان مَا يرفع الْعلم فَقَالَ لَهُ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ ابْن لبيد: يَا رَسُول الله كَيفَ يرفع وَقد أثبت فِي الْكتب ووعته الْقُلُوب فَقَالَ: إِن كنت لَا حَسبك من أفقه أهل الْمَدِينَة ثمَّ ذكر ضَلَالَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى على مَا فِي أَيْديهم من كتاب الله قَالَ: فَلَقِيت شَدَّاد بن أَوْس فَحَدَّثته فَقَالَ: صدق عَوْف أَلا أخْبرك بِأول ذَلِك
قلتُ: بلَى قَالَ: الْخُشُوع حَتَّى لَا ترى خَاشِعًا
وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من طَرِيق جُبَير بن نفير عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسلم - فشخص ببصره إِلَى السَّمَاء ثمَّ قَالَ: هَذَا أَوَان يختلس الْعلم من النَّاس حَتَّى لَا يقدروا مِنْهُ على شَيْء فَقَالَ زِيَاد بن لبيد: يَا رَسُول الله وَكَيف يختلس الْعلم منا وَقد قَرَأنَا الْقُرْآن فو الله لنقرأنه ولنقرئنه نِسَاءَنَا وابناءنا فَقَالَ: ثكلتك أمك يَا زِيَاد إِن كنت لَا عدك من فُقَهَاء أهل الْمَدِينَة هَذَا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَمَاذَا يُغني عَنْهُم فَلَقِيت عبَادَة بن الصَّامِت فَقلت لَهُ: أَلا تسمع مَا يَقُول أَخُوك أَبُو الدَّرْدَاء وأخبرته
فَقَالَ صدق وَإِن شِئْت لأحَدِّثَنَّكَ بِأول علم يرفع من النَّاس الْخُشُوع
يُوشك أَن تدخل الْمَسْجِد فَلَا ترى فِيهِ رجلا خَاشِعًا
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن حُذَيْفَة قَالَ: أول مَا تَفْقِدُونَ من دينكُمْ الْخُشُوع وَآخر مَا تَفْقِدُونَ من دينكُمْ الصَّلَاة
ولَتَنْقُضَنَّ عُرا الْإِسْلَام عُرْوَة عُرْوَة ولْيُصَلِّيَنَّ النِّسَاء وَهن حيض ولَتَسْلُكَنَّ طَرِيق من كَانَ قبلكُمْ حَذْو القِذة بالقذة وحذو النَّعْل بالنعل لَا تخطو طريقهم وَلَا تخطىء بكم حَتَّى تبقى فرقتان من فرق كَثِيرَة تَقول إِحْدَاهمَا: مَا بَال الصَّلَاة الْخمس لقد ضل من كَانَ قبلنَا إِنَّمَا قَالَ الله وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل هود
الْآيَة ١١٤ لَا تصلوا إِلَّا ثَلَاثًا
وَتقول الْأُخْرَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّه
كَإِيمَانِ الْمَلَائِكَة لَا فِينَا كَافِر وَلَا مُنَافِق حق على الله أَن يحشرها مَعَ الدَّجَّال
وَأخرج أَحْمد عَن أبي الْيُسْر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مِنْكُم من يُصَلِّي الصَّلَاة كَامِلَة ومنكم من يُصَلِّي النّصْف وَالثلث وَالرّبع حَتَّى بلغ الْعشْر
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَمُسلم وَابْن ماجة عَن جَابر بن سَمُرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: لينتهين قوم يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة عَن أنس بن مَالك أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: مَا بَال أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي صلَاتهم فَاشْتَدَّ فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ: لينتهن عَن ذَلِك أَو لَتُخْطَفَنَّ أبصارُهم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: لينتهين أَقوام يرفعون أَبْصَارهم إِلَى السَّمَاء فِي الصَّلَاة أَو لَا ترجع إِلَيْهِم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن حُذَيْفَة قَالَ: أما يخْشَى أحدكُم إِذا رفع بَصَره إِلَى السَّمَاء أَن لَا يرجع إِلَيْهِ بَصَره يَعْنِي وَهُوَ فِي الصَّلَاة
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي