ينتقل في هذا الدرس من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، إلى حقيقة الإيمان التي جاء بها الرسل جميعا ؛ ويبين كيف كان استقبال الناس لهذه الحقيقة الواحدة التي لا تتبدل على مدار الزمان، وتعدد الرسالات، وتتابع الرسل، من لدن نوح - عليه السلام - فإذا نحن نشهد موكب الرسل، أو أمة الرسل، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة، ذات المدلول الواحد، والاتجاه الواحد، حتى ليوحد ترجمتها في العربية - وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم - فإذا الكلمة التي قالها نوح - عليه السلام - هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين، فتجيب البشرية جوابا واحدا، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون !
ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة ؛ ولا يتدبرون شواهدها، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات.. فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود، ليتحدثوا عن شخص نوح :
( فقال الملأ الذين كفروا من قومه : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) !
من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها ؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها، وتعمي عليهم عنصرها، وتقف حائلا بين قلوبهم وبينها ؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم، يريد أن يتفضل عليهم، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم !
وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون أنه يعمل لها، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة.. في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها ؛ ويرفضون تكريم الله لهذا الجنس ؛ ويستكثرون أن يرسل الله رسولا من البشر، إن يكن لا بد مرسلا :
( ولو شاء الله لأنزل ملائكة )..
ذلك أنهم لايجدون في أرواحهم تلك النفخة العلوية التي تصل البشر بالملأ الأعلى ؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء.
وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر :
( ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين )..
ومثل هذا يقع دائما عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب. فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها. إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن " سابقة " يستندون إليها ؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها !
وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية. فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون ! وهكذا تجمد الحياة، وتقف حركتها، وتتسمر خطاها، عند جيل معين من ( آبائنا الأولين ) !
ينتقل في هذا الدرس من دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق، إلى حقيقة الإيمان التي جاء بها الرسل جميعا ؛ ويبين كيف كان استقبال الناس لهذه الحقيقة الواحدة التي لا تتبدل على مدار الزمان، وتعدد الرسالات، وتتابع الرسل، من لدن نوح - عليه السلام - فإذا نحن نشهد موكب الرسل، أو أمة الرسل، وهم يلقون إلى البشرية بالكلمة الواحدة، ذات المدلول الواحد، والاتجاه الواحد، حتى ليوحد ترجمتها في العربية - وقد قيلت بشتى اللغات التي أرسل بها الرسل إلى أقوامهم - فإذا الكلمة التي قالها نوح - عليه السلام - هي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين، فتجيب البشرية جوابا واحدا، تكاد ألفاظه تتحد على مر القرون !
ولكن كبراء قومه من الكفار لا يناقشون هذه الكلمة ؛ ولا يتدبرون شواهدها، ولا يستطيعون التخلص من النظرة الضيقة المتعلقة بأشخاصهم وبشخص الرجل الذي يدعوهم، ولا يرتفعون إلى الأفق الطليق الذي ينظرون منه إلى تلك الحقيقة الضخمة مجردة عن الأشخاص والذوات.. فإذا هم يتركون الحقيقة الكبرى التي يقوم عليها الوجود، ويشهد بها كل ما في الوجود، ليتحدثوا عن شخص نوح :
( فقال الملأ الذين كفروا من قومه : ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ) !
من هذه الزاوية الضيقة الصغيرة نظر القوم إلى تلك الدعوة الكبيرة، فما كانوا إذن ليدركوا طبيعتها ولا ليروا حقيقتها ؛ وذواتهم الصغيرة الضئيلة تحجب عنهم جوهرها، وتعمي عليهم عنصرها، وتقف حائلا بين قلوبهم وبينها ؛ فإذا القضية كلها في نظرهم قضية رجل منهم لا يفترق في شيء عنهم، يريد أن يتفضل عليهم، وأن يجعل لنفسه منزلة فوق منزلتهم !
وهم في اندفاعهم الصغير لرد نوح عن المنزلة التي يتوهمون أنه يعمل لها، ويتوسل إليها بدعوى الرسالة.. في اندفاعهم هذا الصغير لا يردون فضل نوح وحده، بل يردون فضل الإنسانية التي هم منها ؛ ويرفضون تكريم الله لهذا الجنس ؛ ويستكثرون أن يرسل الله رسولا من البشر، إن يكن لا بد مرسلا :
( ولو شاء الله لأنزل ملائكة )..
ذلك أنهم لايجدون في أرواحهم تلك النفخة العلوية التي تصل البشر بالملأ الأعلى ؛ وتجعل المختارين من البشرية يتلقون ذلك الفيض العلوي ويطيقونه، ويحملونه إلى إخوانهم من البشر، فيهدونهم إلى مصدره الوضيء.
وهم يحيلون الأمر إلى السوابق المألوفة لا إلى العقل المتدبر :
( ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين )..
ومثل هذا يقع دائما عندما يطمس التقليد على حركة الفكر وحرية القلب. فلا يتدبر الناس ما هو بين أيديهم من القضايا، ليهتدوا على ضوء الواقع إلى حكم مباشر عليها. إنما هم يبحثون في ركام الماضي عن " سابقة " يستندون إليها ؛ فإن لم يجدوا هذه السابقة رفضوا القضية وطرحوها !
وعند هذه الجماعات الجاحدة الخامدة أن ما كان مرة يمكن أن يكون ثانية. فأما الذي لم يكن فإنه لا يمكن أن يكون ! وهكذا تجمد الحياة، وتقف حركتها، وتتسمر خطاها، عند جيل معين من ( آبائنا الأولين ) !