ﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚ

ثم يقول الحق سبحانه :
فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( ٢٤ ) :
الملأ : من الملء يعني : الشيء الذي يملأ الشيء، فالملأ يعني الذين يملئون العيون بشرفهم ومكانتهم وعظمتهم وأبهتهم، ومن ذلك قولهم : فلان ملء العين، أو ملء السمع والبصر، ويقولون للرجل إذا بلغ في الحسن مبلغا : فلان قيد العيون يعني : حين تراه لا تصرف بصرك إلى غيره من شدة حسنه كأنه قيد بصرك نحوه. أما في المقابل فيقولون : فلان تتقحمه العين ولا تراه وكأنه غير موجود.
إذن : الملأ : هم الذين يملئون صدور المجالس أبهة وفخامة ووجاهة وسيادة، لكن، لماذا هؤلاء بالذات هم الذين تعصبوا ضده وواجهوه ؟.
قالوا : لأن منهج الله ما جاء إلا لإصلاح ما فسد في الكون وما استشرى فيه من شر، فالحق- تبارك وتعالى- ينزل منهجا على لسان رسول أول، ويطلب من قومه أن يبلغوا منهج رسولهم من بعده، لكن تأتي الغفلة على هذا المنهج فيخرج الناس عنه ويأتي خروجهم عن منهج ربهم على عدة صور :
فمنهم من يخرج عن منهج ربه ويصنع الذنب، إلا أنه يعاود نفسه ويراجعها ويلومها وسرعان ما يتوب ويندم، فزاجره من نفسه وواعظه من داخله، وهؤلاء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
ومنهم من يخرج على منهج ربه خروجا لا رجعة له ولا زجر، وهذا نسميه بلغتنا ( فاقد ) يعني : لم يعد له زاجر من شرع ولا من ضمير. ويبقى بعد ذلك زاجر المجتمع حين يرى مثل هؤلاء الخارجين عن منهج الحق عليه أن يتصدى لهم، ويقاطعهم ولا يودهم ولا يحترمهم، وإلا لو ظل المنحرف ومرتكب القبائح على حاله من احترام الناس وتقديرهم، ولو ظل على مكانته في المجتمع لتمادى في غيه وأسرف على نفسه وعلى مجتمعه فيستشري بذلك الشر في المجتمع، ويعم الفساد وتشيع الفوضى.
ألا ترى الشرع الحكيم حين جعل الدية في القتل على العاقلة يعني : عائلة القاتل، لا على القاتل وحده ؟ لماذا ؟ لكي يأخذوا على يد ولدهم إن انحرف أو بدت عنده بوادر الاعتداء، لأنهم جميعا سيحملون هذه التبعة.
ونقول : خص الملأ بالذات، لأنهم هم المنتفعون بالشر والفساد في المجتمع، ومن مصلحتهم أن يستمر هذا الوضع لتبقى لهم سلطتهم الزمنية ومكانتهم، لذلك هم أول من يقابلون الرسالات بالجحود والنكران. ألم يقل الحق سبحانه عنهم في آية أخرى : ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا.. ( ٢٧ ) [ هود ].
فهؤلاء الذين يسمونهم أراذل هم المستضعفون والفقراء والمطحونون والمهمومون بأمور الخلق والدين والقيم، فما إن تسمع آذانهم عن رسالة إلا تلهفوا عليها وارتموا في أحضانها لأنها جاءت لتنقذهم، لذلك يكونون أول من يؤمن. وإن جاء المنهج لإنصاف هؤلاء، فقد جاء أيضا لينزع من أصحاب السلطان والقهر والجبروت سلطانهم وتعاليمهم، فلا بد أن يواجهوه ويعاندوه.
ومعنى : الذين كفروا من قومه.. ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : كفروا : يعني جحدوا وجود الله ما هذا إلا بشر مثلكم ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : فأول شيء صدهم عن الرسول كونه بشرا، إذن : فماذا كنتم تنتظرون ؟ وقد شرح هذا المعنى في قوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ( ٩٤ ) [ الإسراء ] :
ولا بد في الرسول أن يكون من جنس المرسل إليهم، ليصح أن يكون له أسوة، فيقلدوه ويهتدوا به، وإلا لو جاء الرسول ملكا فكيف تتحقق فيه القدوة ؟ وكيف تطيعونه وأنتم تعلمون أنه ملك لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل، وليست لديه شهوة، ولا مقومات المعصية ؟
ولنفرض أن الله نزل عليكم ملكا، فكيف ستشاهدونه وتتلقون عنه ؟ لا بد- إذن- أن يأتيكم في صورة رجل لتتمكنوا من مشاهدته والتلقي عنه، وهكذا نعود في نقاش هذه المسألة إلى أنه رجل، لذلك قال سبحانه : ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ( ٩ ) [ الأنعام ] وتظل الشبهة باقية.
إذن : من الحمق أن نقول بأن يكون الرسول ملكا.
أما قولهم : بشر مثلكم ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : نعم، هو بشر، لكن ليس كمثلكم، فأنتم كاذبون في هذه المثلية، لأنه بشر اصطفاه الله بالوحي، لذلك يقول رسول الله ( ص ) : " يؤخذ مني فأقول : ما أنا إلا بشر مثلكم، وأعطى من الله فأقول : أنا لست كأحدكم ".
ويقول تعالى لرسول الله ( ص ) : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ( ٦ ) [ فصلت ] : ومن هنا كانت الأفضلية في أنه بشر يوحى إليه، وما بشريته إلا للإيناس والإلف.
ثم يتابع الحق سبحانه مقالة هؤلاء الكافرين من قوم نوح : يريد أن يتفضل عليكم ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] يتفضل : يعني ينسب نفسه إلى الفضل والشرف والسيادة ليكون متبوعا وهم تابعون ولو شاء الله ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : يعني : لو شاء أن يرسل رسولا لأنزل ملائكة ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : أي : رسلا، وقد رد الله تعالى عليهم هذا القول، فقال تبارك وتعالى : قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا ( ٩٥ ) [ الإسراء ] :
ثم يقولون : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : المراد بهذا : يعني أن يأتي من يقول اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لأن آباءنا الأولين كانوا يعبدون الأصنام، ولم يأت من يقول لنا هذا الكلام مثل نوح.
وهذا دليل على أنهم مقلدون للآباء، ليس لديهم تفكير واستقلال في الرأي ينظرون به إلى الأشياء نظرة الحق والعدالة، وفي موضع آخر قال تعالى عنهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة١ وإنا على آثارهم مقتدون ( ٢٣ ) [ الزخرف ].
ولو تأملنا حال المجتمعات، ومنها مجتمعنا الذي نعيش فيه لوضح لنا كذب هؤلاء في ادعائهم التقليد للآباء، كيف ؟ تأمل حال الأجيال المختلفة تجد كل جيل له رأيه وتطلعاته ورغباته التي ربما اختلف فيها الابن عن أبيه، فالأبناء الآن لهم رأي مستقل، فالولد يختار مثلا الكلية التي يرغبها، الملابس التي يحبها، وإن خالفت رأي أبيه، بل ويصل الأمر إلى اتهام الآباء بالجمود والتخلف إن لزم الأمر، وهذا موجود في كل الأجيال.
إذن : لماذا لم تقولوا في مثل هذه الأمور : إنا وجدنا آباءنا على أمة ؟ لماذا كانت لكم ذاتية ورأي مستقل في أمور الدنيا دون أمور الدين ؟ إنكم تتخذون الذاتية فيما يلبي رغباتكم وشهواتكم وانحرافاتكم، وتتخذون التقليد فيما يقلل تكليفكم، لأن التكليف سيقيد هذه الرغبات والشهوات ويقضي على هذه الانحرافات، لذلك يتمرد هؤلاء على منهج الله.
لذلك، نعجب لما نراه ونسمعه من حال أبناءنا اليوم، وكيف أفلت الزمام من الآباء والأمهات، فالشاب يسير على هواه في أمور انحرافية، فإن وجهه أبوه أعرض عنه واتهمه بأنه من جيل قديم وقد ذهب زمانه بلا رجعة، وقد تعدى الأمر من الأولاد إلى البنات، فصرن أيضا يتمردن على هذه القيم ولا يهتممن بها.
فقولهم : ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ( ٢٤ ) [ المؤمنون ]، وقولهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة ( ٢٣ ) [ الزخرف ] : هم كاذبون أيضا في هذه المقولة، لأنهم لو صدقوا لقلدوهم في كل شيء فيما لهم وما عليهم في أمور الدنيا وفي أمور الدين والقيم والأخلاق.
لذلك الحق- تبارك وتعالى- يعالج هذه القضية في مواضع عدة من كتابه الكريم، وبأساليب مختلفة، منها قوله سبحانه : وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.. ( ١٧٠ ) [ البقرة ].
لأن هذا يريحهم من مشقة التكاليف، وإن كانت العبادة : طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه، فما أسهل عبادة الأصنام، لأنها آلهة كما يدعون لكن ليس لها منهج، وليس معها تكاليف، فبأي شيء أمرك الصنم ؟ وعن أي شيء نهاك ؟ وماذا أعد من جزاء لمن أطاعه ؟ وماذا أعد من عقاب لمن عصاه ؟ إذن : معبود بلا منهج وبلا تكاليف، وهذا دليل كذبهم في عبادة الأصنام وغيرها من آلهتهم.
ألم يقولوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ( ٣ ) [ الزمر ] : فهذا حمق وسفه وجهل، لأن الكلام منطقيا لا يستقيم، كيف تقولون نعبدهم وليس لهم منهج، وليس لهم تكاليف، والعبادة طاعة عابد لمعبود ؟.
إذن : ما هو إلا خواء وإفلاس عقدي، لذلك يرد الحق- تبارك وتعالى- عليهم فيقول سبحانه : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ( ١٧٠ ) [ البقرة ].
وفي موضع آخر يقول- سبحانه وتعالى- عنهم : قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ] : وهذه أبلغ من سابقتها، لأنهم يصعدون كفرهم ويصرون عليه، فقولهم : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ( ١٧٠ ) [ البقرة ] : فلربما يراجعون أنفسهم فيهتدون إلى الحق، ويخالفون الآباء.
لكن هنا حسبنا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ] : يعني : كافينا، ولن نغيره ولن نحيد عنه، لذلك يأتي تذييل كل آية بما يناسبها، ففي الأولى قال تعالى ردا عليهم : أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ( ١٧٠ ) [ البقرة ]، وفي الأخرى قال ردا عليهم : أو لو كان أباؤهم لا يعلمون شيئا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ].
فذكر العقل في الأولى، لأن الإنسان يأتمر فيه بنفسه، وذكر في الأخرى العلم، لأن الإنسان في العلم يأتمر بعقله، وعقل العلم أيضا، فالعلم- إذن- أوسع من العقل، لذلك ذكره مع قولهم حسبنا.. ( ١٠٤ ) [ المائدة ] الدالة على المبالغة والإصرار على الكفر.
كما نلاحظ عليهم في قولهم : ما سمعنا بهذا.. ( ٢٤ ) [ المؤمنون ] : أن الغفلة قد استحكمت فيهم، لأن نوحا عليه السلام يعتبر الجد الخامس بعد آدم عليه السلام، فبينهما فترة طويلة، فكيف ما سمعوا طوال هذه الفترة برسول أو نبي، يقول : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ؟.

١ - قال ابن عباس: أي على دين، وفي رده على سؤالات نافع بن الأزرق قال: على ملة غير الملة التي تدعونا إليها. [أوردهما السيوطي في الدر المنثور ٧/٣٧٢، وعزا الأول لابن جرير الطبري، والثاني للطستي]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير