فقالوا ، فيما بينهم، على طريق المناصحة : أنؤمن لبشَرَيْنِ مثلنا ، " مثل " و " غير " يوصف بها الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، والبشر يطلق على الواحد، كقوله :
بَشَراً سَوِياًّ [ مريم : ١٧ ]، وعلى الجمع، كقوله : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً [ مريم : ٢٦ ]، وأراد به هنا الواحد، فثناه، أي : كيف نؤمن لبشرين مثلنا في العجز والافتقار، وقومهما لنا عابدون أي : خادمون منقادون لنا كالعبيد، وكأنهم قصدوا بذلك التعريض بهما -عليهما السلام-، وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة من وجه آخر غير البشرية، بناء على زعمهم الفاسد، من قياس الرئاسة الدينية على الرئاسات الدنيوية، الدائرة على التقدم في نيل الحظوظ الدنيوية، من المال والجاه، كدأب قريش، حيث قالوا : لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ [ الأحقاف : ١١ ]. وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : ٣١ ]. وعلى جهلهم بأن مناط الاصطفاء للرسالة هو السبق في حيازة النعوت العلية، وإحراز الكمالات السنية، جِبِلَّةً أو اكتساباً.
وكل من أنكر على أهل الخصوصية فسببه إما الحسد، أو الجهل بأن الخصوصية لا تنافي أوصاف البشرية، أو قياس الرئاسة الباطنية الدينية على الرئاسة الدنيوية، فأسقط من لا رئاسة له في الظاهر ولا جاه، أو لعدم ظهور الكرامة، وهي غير مطلوبة عند المحققين. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي