وجملة : فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا معطوفة على جملة : استكبروا وما بينهما اعتراض، والاستفهام للإنكار، أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية ؟ والبشر يطلق على الواحد كقوله : بَشَراً سَوِيّاً [ مريم : ١٧ ] كما يطلق على الجمع كما في قوله : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً [ مريم : ٢٦ ]. فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر، ومعنى وَقَوْمُهُمَا لَنَا عابدون : أنهم مطيعون لهم منقادون لما يأمرونهم به كانقياد العبيد. قال المبرّد : العابد : المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة : العرب تسمي كل من دان لملك : عابداً له. وقيل : يحتمل أنه كان يدّعي الإلهية فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه، واللام في : لَنَا متعلقة ب عابدون ، قدّمت عليه لرعاية الفواصل.
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات واعملوا صالحا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ . وقال : يا أيها الذين آمَنُوا كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم [ البقرة : ١٧٢ ] ) ثم ذكر :( الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمدّ يديه إلى السماء : يا ربّ يا ربّ، فأنى يستجاب لذلك ). وأخرج سعيد بن منصور عن حفص الفزاري في قوله : يا أيها الرسل كُلُوا مِنَ الطيبات قال : ذلك عيسى بن مريم يأكل من غزل أمه. وأخرجه عبدان في الصحابة عن حفص مرفوعاً، وهو مرسل ؛ لأن حفصاً تابعي.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني