إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ الظرف منصوب بمسكم، أو بأفضتم، قرأ الجمهور : إِذْ تَلَقَّوْنَهُ من التلقي، والأصل تتلقونه، فحذف إحدى التاءين. قال مقاتل، ومجاهد : المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي : وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول : بلغني كذا، وكذا، ويتلقونه تلقياً. قال الزجاج : معناه يلقيه بعضكم إلى بعض. وقرأ محمد ابن السميفع بضم التاء، وسكون اللام، وضم القاف، من الإلقاء، ومعنى هذه القراءة واضح. وقرأ أبيّ وابن مسعود «تتلقونه » من التلقي، وهي كقراءة الجمهور. وقرأ ابن عباس، وعائشة، وعيسى بن عمر، ويحيى بن يعمر، وزيد بن عليّ بفتح التاء، وكسر اللام، وضم القاف، وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب، ولق يلق ولقاً : إذا كذب. قال ابن سيده : جاءوا بالمعتدي شاهداً على غير المعتدي. قال ابن عطية : وعندي أنه أراد يلقون فيه، فحذف حرف الجرّ، فاتصل الضمير. قال الخليل، وأبو عمرو : أصل الولق الإسراع، يقال : جاءت الإبل تلق أي : تسرع، ومنه قول الشاعر :
| لما رأوا جيشاً عليهم قد طرق | جاءوا بأسراب من الشام ولق |
* جاءت به عيس من الشام تلق *
قال أبو البقاء : أي : يسرعون فيه. قال ابن جرير : وهذه اللفظة أي : تلقونه على القراءة الأخيرة مأخوذة من الولق، وهو : الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد، وكلام في إثر كلام. وقرأ زيد بن أسلم، وأبو جعفر «تألقونه » بفتح التاء، وهمزة ساكنة، ولام مكسورة، وقاف مضمومة من الألق، وهو : الكذب، وقرأ يعقوب «تيلقونه » بكسر التاء من فوق بعدها ياء تحتية ساكنة، ولام مفتوحة، وقاف مضمومة، وهو : مضارع ولق بكسر اللام، ومعنى : وَتَقُولُونَ بأفواهكم مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أن قولهم هذا مختصّ بالأفواه من غير أن يكون واقعاً في الخارج معتقداً في القلوب. وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله يطير بجناحيه [ الأنعام : ٣٨ ]، ونحوه، والضمير في تحسبونه راجع إلى الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً أي : شيئاً يسيراً لا يلحقكم فيه إثم، وجملة وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ في محل نصب على الحال أي : عظيم ذنبه وعقابه.
وأخرج البخاري، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال : كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال : الذي تولى كبره منهم علىّ، فقلت لا، حدثني سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمع عائشة تقول : الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبيّ، قال : فقال لي : فما كان جرمه ؟ قلت : حدّثني شيخان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول : كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شيبة في مسنده : حدّثنا الحسن بن عليّ الحلواني، حدّثنا الشافعي، حدّثنا عمي قال : دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك فقال له : يا سليمان الذي تولى كبره من هو ؟ قال : عبد الله بن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال : يا ابن شهاب من الذي تولّى كبره ؟ فقال : ابن أبيّ. قال : كذبت هو عليّ. قال : أنا أكذب ؟ لا أبا لك، والله لو نادى منادٍ من السماء أن الله قد أحلّ الكذب ما كذبت، حدّثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة : أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ، وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن مسروق قال : دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب وقال :
| حصان رزان ما تزنّ بريبة | وتصبح غرثى من لحوم الغوافل |
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني