ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأًصلحوا فإن الله غفور رحيم
فيه ست مسائل :
المسألة الخامسة والثمانون : في بيان المراد بالرمي في الآية، وهل هو بمعنى القذف أم لا ؟
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن المراد بالرمي في الآية، هو الرمي بالزنا بين الرجال والنساء، وأنه لا فرق بين الرمي وبين القذف، لا من جهة اللغة ولا من جهة الشرع، فهما اسمان لمعنى واحد.
قال ابن حزم : ذكر الله تعالى هذا الحكم باسم ( الرمي ) في الآية المذكورة، وصح أن ( القذف والرمي ) اسمان لمعنى واحد.
لما ناه عبد الله بن ربيع، نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، نا إسحاق بن إبراهيم – هو ابن راهويه – أنا عبد الأعلى – هو ابن عبد الأعلى السلمي – قال : سئل هشام – هو ابن حسان – عن الرجل يقذف امرأته ؟ فحدثنا هشام عن محمد – يعني ابن سيرين – قال : سألت أنس بن مالك عن ذلك – وأنا أرى أن عنده من ذلك علما – فقال : إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء، وكان أخا البراء بن مالك، وكان أول من لاعن، فلاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ثم قال :( ( أبصروه، فإن جاءت به أبيض، نض العينين، فهو لهلال بن أمية، وإن جاءت به أكحل جعدا أحمش١ الساقين فهو لشريك بن سحماء ) )٢ قال أنس : فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعد أحمش الساقين.
فهذا أنس بن مالك حجة في اللغة وفي النقل في الديانة قد سمى الرمي قذفا، مع أنه لا خلاف في ذلك من أحد من أهل اللغة، ولا بين أحد من أهل الديانة.
وكذلك لا خلاف بين أحد من أهل الإسلام في أن الرمي المذكور في الآية المذكورة الموجب للجلد والفسق وسقوط الشهادة هو الرمي بالزنا بين الرجال والنساء. ٣ اه
المسألة السادسة والثمانون : في المراد بالمحصنات في الآية.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن المراد بالمحصنات في هذه الآية : الفروج، فذكر النعت وهو المحصنات، وحذف المنعوت وهو الفروج.
قال ابن حزم : قال الله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ٤ الآية.
فكان ظاهر هذا أن : المحصنات المذكورات هن النساء ؛ لأن هذا اللفظ جاء بجمع المؤنث، فاعترض علينا أصحاب القياس ههنا، وقالوا لنا : إن النص إنما ورد بجلد الحد من قذف امرأة، فمن أين لكم أن تجلدوا من قذف رجلا بالزنى ؟ وما هذا إلا قياس منكم وأنتم تنكرون القياس ؟..
وأما جوابنا الذي نعتمد عليه ونقطع على صحته، وأنه مراد الله تعالى بالبرهان الواضح فهو أن الله تعالى إنما أراد بقوله : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الفروج المحصنات.
برهان ذلك أن الأربعة الشهود المذكورين لا يختلف اثنان من الأمة في أن شهادتهم التي يكلفونها هي أن يشهدوا بأنهم رأوا فرجه في فرجها والجا خارجا، والإجماع قد صح بأن ما عدا هذه الشهادة ليست شهادة بزنى، ولا يبرأ القاذف من الحد.
فصح أن الرمي المذكور إنما هو الفروج فقط.
وأيضا، برهان آخر، كما روينا من طريق مسلم، نا إسحاق ابن إبراهيم، هو ابن راهويه – أنا عبد الرزاق، نا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال : ما رأيت أشبه باللمم مما قال أبو هريرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، وزنى اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " ٥
فلم يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الزنى إلا للفرج فقط، وأبطله عن جميع أعضاء الجسم أولها عن آخرها إلا أن يصدقه فيها الفرج.
فصح يقينا أن النفس والقلب وجميع أعضاء الجسد حاش الفرج لا رمي فيها، ولا قذف أصلا، وأنه لا رمي إلا للفروج فقط، فإذ لا شك في هذا ولا مرية، فالمراد من الله تعالى : والذين يرمون المحصنات هي بلا شك الفروج التي لا يقع الرمي إلا عليها، لا يكون الزنى المرمي به إلا منها..
وأما دعواهم أن الله تعالى أراد بذلك ( النساء ) فدعوى عارية لا برهان عليها، لا من نص ولا إجماع ؛ لأنهم يخصون تأويلهم هذا، ويسقطون الحد عن قاذف نساء كثيرة : كالإماء، والكوافر، والصغار، والمجانين، فقد أفسدوا دعواهم من قرب مع تعريها من البرهان. وبالله تعالى التوفيق. اه٦
المسألة السابعة والثمانون : في حكم قذف المحصنات.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن قذف المحصنة من كبائر الذنوب، ويجب التوبة منه.
قال ابن حزم : قذف المؤمنات من الكبائر، قال الله تعالى : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ٧
فصح أن قذف المؤمنات المحصنات البريئات من الكبائر الموجبة للعنة في الدنيا والآخرة، والعذاب العظيم في الآخرة، ودخل فيها قذف الأمة والحرة دخولا مستويا ؛ لأن الله تعالى لم يخص مؤمنة من مؤمنة.
وبقي قذف الكافرة، فوجدنا الله تعالى قال : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ٨الآية
فهذا عموم تدخل فيه الكافرة والمؤمنة، فوجب أن قاذفها فاسق إلا أن يتوب.
وروينا من طريق مسلم، أنا محمد بن الوليد بن عبد الحميد، أنا محمد بن جعفر، نا شعبة، نا عبيد الله بن أبي بكر، قال : سمعت أنس بن مالك قال :( ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر – أو سُئل عن الكبائر – فقال : الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، قال : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قول الزور، أو قال : شهادة الزور " قال شعبة : وأكبر ظني أنه قال : شهادة الزور. ٩
فصح أن قذف الكافرة البريئة قول زور بلا خلاف من أحد، وقول الزور من الكبائر كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ١٠ اه
المسألة الثامنة والثمانون : في عدد الشهود المقبولين في الزنى.
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أنه لا يجوز أن يقبل في الزنى أقل من أربعة شهود.
قال ابن حزم : ولا يجوز أن يقبل في الزنى أقل من أربعة رجال عدول مسلمين، أو مكان كل رجل امرأتان مسلمتان عدلتان، فيكون ذلك ثلاثة رجال وامرأتين، أو رجلين وأربع نسوة، أو رجلا واحدا وست نسوة، أو ثمان فقط.
فأما وجوب قبول أربعة في الزنى فبنص القرآن، ولا خلاف فيه، قال تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ١١ اه١٢
المسألة التاسعة والثمانون : إذا شهد أربعة بالزنا على امرأة، أحدهم زوجها هل تقبل شهادته أم لا ؟
ذهب ابن حزم – رحمه الله تعالى – إلى أن الزوج العدل إذا جاء شاهدا ومعه ثلاثة عدول، فإن النصاب قد تم، وعلى المرأة الحد.
وأما إذا كان الزوج قاذفا فلا بد من أربعة شهود سواء، وإلا حد أو يلاعن.
قال ابن حزم : شهد أربعة بالزنا على امرأة، أحدهم زوجها، اختلف الناس في هذا.
فلما اختلفوا كما ذكرنا وجب أن ننظر فيما احتج به كل قائل منهم لقوله، فوجدنا كلتا الطائفتين تتعلق بقول الله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ١٣ وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية : " البينة وإلا حد في ظهرك " ١٤
فنظرنا في هذين النصين فوجدناهما إنما نزلا في الزوج إذا كان راميا قاذفا، فوجب أن نطلب حكم شهادة الزوج في غيرهما.
فوجدنا الله تعالى يقول : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ١٥ فشرط الله تعالى على القاذف إن لم يأت بأربعة شهداء أن يجلد، ولم يخص تعالى أولئك الأربعة الشهداء أن لا يكون منهم زوجها وما كان ربك نسيا ١٦ ولو أراد الله تعالى أن لا يكون الزوج أحد أولئك الشهداء لبين ذلك، ولما كتمه، ولا أهمله، فإذ عم الله تعالى، ولم يخص فالزوج وغير الزوج في ذلك سواء بيقين لا شك فيه. ١٧ اه

١ أي دقيقهما. انظر: النهاية في غريب الحديث (حمش) ص (٢٣٢)..
٢ رجال الإسناد:
هشام بن حسان الأزدي، القردوسي، بالقاف وضم الدال، أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، لأنه قيل: كان يرسل عنهما، من السادسة، مات سنة (١٤٧ هـ/ع) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٧٣٣٩).
محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر ابن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة (١١٠ هـ/ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٥٩٨٥).
أنس بن مالك بن النضر، الأنصاري، الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، صحابي مشهور، مات سنة (٩٣ وقيل: قبلها بسنة، وقد جاوز المائة /ع) انظر: الاستيعاب ١/١٠٩، والإصابة ١/٧١، وتقريب التهذيب، ترجمة (٥٧٠).
وبقية رجال الإسناد سبقت تراجمهم.
تخريج الحديث:
أخرجه مسلم في اللعان (٣٧٣٥)..

٣ المحلى (١٣/١١٩-١٢٠)..
٤ النور (٤)..
٥ رجال الإسناد:
سبقت تراجمهم جميعا.
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في: الاستئذان، باب: زنا الجوارح (٦٢٤٣)، وفي: القدر، باب: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) (٦٦١٢)، ومسلم في: القدر، باب: قدر على ابن حظه من الزنا وغيره (٦٦٩٥)..

٦ المحلى (١٣/١٢٣-١٢٤)..
٧ النور (٢٣)..
٨ النور (٤)..
٩ رجال الإسناد:
مسلم سبقت ترجمته ص (٧١)
محمد بن الوليد بن عبد الحميد، القرشي، البسري، بضم الموحدة، وسكون المهملة، البصري، يلقب حمدان، ثقة، من العاشرة، مات سنة (٢٥٠ هـ أو بعدها/ خ م س ق) انظر: تقريب التهذيب، ترجمة (٦٤١٣).
محمد بن جعفر الهذلي (غندر) سبقت ترجمته ص (٢٩٢).
شعبة سبقت ترجمته ص (٢٩٢).
عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاذ، ثقة، من الرابعة / ع) انظر: المصدر السابق، ترجمة (٤٣٠٧).
أنس بن مالك سبقت ترجمته ص (٤٢٧).
تخريج الحديث:
أخرجه البخاري في الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور (٢٦٥٣)، ومسلم في: الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (٢٥٦) – (٢٥٧)..

١٠ المحلى (١٣/١٢٢- ١٢٣)..
١١ النور (٤)..
١٢ المحلى (١٠/٢٦٦)..
١٣ النور (٦)..
١٤ سبق تخريجه..
١٥ النور (٤)..
١٦ مريم (٦٤)..
١٧ المحلى (١٣/١١٦-١١٧) باختصار..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير