قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .
قوله تعالى في هذه الآية : يَرْمُونَ ، معناه : يقذفون المحصنات بالزنا صريحًا أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه ؛ لأنه إن كان من غير أبيه كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب اللَّه تعالى فيه ثلاثة أحكام :
الأول : جلد القاذف ثمانين جلدة.
والثاني : عدم قبول شهادته.
والثالث : الحكم عليه بالفسق.
فإن قيل : أين الدليل من القرآن على أن معنى يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ في هذه الآية : هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب ؟
فالجواب : أنه دلّت عليه قرينتان من القرآن :
الأولى : قوله تعالى : ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء بعد قوله : يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ، ومعلوم أنه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلا الزنى، ومن قال : إن اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.
وقد قدّمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة «هود »، كما أشرنا له غير بعيد.
القرينة الثانية : هي ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني، في قوله تعالى : الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً [ النور : ٣ ] الآية، وقوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ [ النور : ٢ ]، فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني، يدلّ على إحصانهن، أي : عفتهن عن الزنى، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى، وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في القرآن، ومثّلنا لها كلها من القرآن في سورة «النساء »، في الكلام على قوله تعالى : وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ [ النساء : ٢٤ ]، فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات ؛ كقوله : مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ [ النساء : ٢٥ ]، أي : عفائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ، أي : العفائف، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير :
| فلا تأمننّ الحيّ قيسًا فإنَّهم | بنو محصنات لم تدنس حجورها |
| رماني بأمر كنت منه ووالدي | بريئًا ومن أجل الطوى رماني |
وجرح اللسان كجرح اليد
واعلم أن هذه الآية الكريمة مبيّنة في الجملة من ثلاث جهات :
الجهة الأولى : هي القرينتان القرآنيّتان الدالّتان على أن المراد بالرمي في قوله : يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ، هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب ؛ كما أوضحناه قريبًا.
الجهة الثانية : هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج المرأة إذا رماها بالزنى، ولكن اللَّه جلَّ وعلا بيّن أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت الشهداء، تلاعنا، وذلك في قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ [ النور : ٦ ] الآية.
ومضمونها : أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، والمعنى أنه لم يقدر على الإتيان ببيّنة تشهد له على الزنى الذي رماها به، فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحدة منها : أشهد باللَّه إني لصادق فيما رميتها به من الزنى، ثم يقول في الخامسة : عليَّ لعنة اللَّه إن كنت كاذبًا عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد وعدم قبول الشهادة والفسق بهذه الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات باللَّه، تقول في كل واحدة منها : أشهد باللَّه إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة : غضب اللَّه عليّ إن كان صادقًا فيما رماني به من الزنى ؛ كما هو واضح من نصّ الآية.
الجهة الثالثة : أن اللَّه بيَّن هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ولم يبيّن ما أعدّ له في الآخرة، ولكنّه بيّن في هذه السورة الكريمة ما أعدّ له في الدنيا والآخرة من عذاب اللَّه، وذلك في قوله : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ في الدُّنْيَا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ [ النور : ٢٣-٢٤-٢٥ ]، وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهنّ مؤمنات غافلات لإيضاح صفاتهنّ الكريمة.
ووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهنّ غافلان ثناء عليهن بأنهنّ سليمات الصدور نقيّات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر ؛ لأنهن لم يجربن الأمر وفلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدهاء، وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتّصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًّا، ومنه قول حسّان رضي اللَّه عنه :
| نفج الحقيبة بوصها متنضد | بلهاء غير وشيكة الإقسام |
| ولقد لهوت بطفلة ميالة | بلهاء تطلعني على أسرارها |
| عهدت بها هندًا وهند غريرة | عن الفحش بلهاء العشاء نؤم |
| رداح الضحى ميالة بحترية | لها منطق بصبى الحليم رخيم |
وعمومات نصوص الكتاب والسنّة دالّة على أن من تاب إلى اللَّه من ذنبه توبة نصوحًا تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاّء المفسرين أن آية : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ، التي جعل اللَّه فيها التوبة بقوله : إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ عامّة، وأن آية : إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ في الدُّنْيَا والآخرة [ النور : ٢٣ ] الآية، خاصة بالذين رموا عائشة رضي اللَّه عنها أو غيرها من خصوص أزواجه صلى الله عليه وسلم، وأن من رماهن لا توبة له خلاف التحقيق، والعلم عند اللَّه تعالى.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى : لا يخفى أن الآية إنما نصّت على قذف الذكور للإناث خاصّة ؛ لأن ذلك هو صريح قوله : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ، وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإناث للإناث، أو الإناث للذكور لا فرق بينه وبين ما نصّت عليه الآية، من قذف الذكور للإناث ؛ للجزم بنفي الفارق بين الجميع.
وقد قدّمنا إيضاح هذا وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة «الأنبياء »، في كلامنا الطويل على آية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ في الْحَرْثِ [ الأنبياء : ٧٨ ].
المسألة الثانية : اعلم أن المقرّر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل أو عقل يخصّصه ببعضها، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في «مراقي السعود »، بقوله :
| وكل ما يكون فيه العطف | من قبل الاستثنا فكلا يقفو |
| دون دليل العقل أو ذي السمع | والحق الافتراق دون الجمع |
وممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم : القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمان بن زيد بن جابر، وقال الشعبي والضحاك : لا تقبل شهادته إلا إذا اعترف على نفسه بالكذب، قاله ابن كثير.
وقال جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة : إن الاستثناء في الآية راجع أيضًا لقوله : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ، وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته. أمّا قوله : فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، فلا يرجع له الاستثناء ؛ لأن القاذف إذا تاب وأصلح، لا يسقط عنه حدّ القذف بالتوبة.
فتحصّل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله : وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ، يرجع لها الاستثناء بلا خلاف. وأن الجملة الأولى التي هي : فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ، لا يرجع لها الاستثناء في قول عامّة أهل العلم، ولم يخالف إلاّ من شذّ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ، يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمّة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في كتابنا : دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخّرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلا بدليل.
وإنما قلنا : إن هذا هو الأظهر ؛ لأن اللَّه تعالى يقول : فَإِن تَنَازَعْتُمْ في شيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [ النساء : ٥٩ ] الآية.
وإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى اللَّه وجدنا القرآن دالاً على ما ذكرنا أنه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى، وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدلّ ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئًا مط
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان