٩٠٥- أمر بجلدهم عند عدم البينة وإن علم صدقهم. ( الفروق : ٤/٤٥. والذخيرة : ١٠/٩٢ ).
٩٠٦- قاعدة : مقابلة الجمع بالجمع في اللغة، تارة تتنوع الأفراد على الأفراد نحو : " الدنانير للورثة ". وتارة أحد الجمعين لكل فرد من الجمع الآخر. نحو : " الثمانون جلدة للقذف ". وتارة يثبت الجمع ولا يحكم على الأفراد، نحو : " الحدود للجنايات " إذا قصد أن المجموع للمجموع. إذا اختلفت أحوال المقابلة بطل كونه حقيقة في أحدهما ليلا يلزم الاشتراك أو المجاز، وبطل تخيل من اعتقد أن قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات يقتضي أن قذف الجماعة له حد واحد، لأنه قابل " الذين " وهو جمع بالمحصنات، وهو جمع، فيحصل أن الجميع إذا رمى الجميع يجب : ثمانون فقط. خالفنا ذلك في قذف الجمع للجمع، والواحد يبقى على مقتضاه في قذف الواحد للجمع، قاله الطرطوشي١ غيره، فيمنع كون ذلك مقتضاه. ( الذخيرة : ١٢-٤٢١ ).
٩٠٧- قوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون ، المشهور عندنا قبول شهادة القاذف قبل جلده وإن كان القذف كبيرة، وقاله أبو حنيفة رضي الله عنه، وردها عبد الملك ومطرف والشافعي وابن حنبل رضي الله عنهم٢.
لنا : أنه قبل الجلد غير فاسق لأنه ما لم يفرغ من جلده يجوز رجوع البينة أو تصديق المقذوف له، فلا يتحقق الفسق إلا بعد الجلد، والأصل استصحاب العدالة والحالة السابقة.
احتجوا بوجوه :
الأول : أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف، وقد تحقق القذف فيتحقق الفسق سواء جلد أم لا.
الثاني : أن الجلد فرع ثبوت الفسق، فلو توقف الفسق على الجلد لزم الدور.
الثالث : أن الأصل عدم قبول الشهادة إلا حيث تيقن العدالة ولم تيقن هنا، فترد
والجواب عن الأول : أن الآية اقتضت صحة ما ذكرناه وبطلان ما ذكرتموه لأن الله تعالى قال : فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون فرتب الشهادة والفسق على الجلد، وترتيب الحكم على الوصف يدل على علية ذلك الوصف لذلك الحكم، فيكون الجلد هو السبب المفسق، فحيث لا جلد لا فسوق، وهو مطلوبنا أو عكس مطلوبكم.
وعن الوجه الثاني : أن الجلد فرع ثبوت الفسق ظاهرا ظهورا ضعيفا لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف، فإذا أقيم الجلد قوي الظهور بإقدام البينة وتصميمها على أذيته، وكذلك المقذوف. وحينئذ نقول : إن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي لأنه المجمع عليه، والأصل بقضاء العدالة السابقة.
قال الباجي : " قال القاضي أبو إسحاق والشافعي : لابد في توبة القاذف من تكذيبه لنفسه، لأنها قضينا بكذبه في الظاهر لما فسقناه، فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر " ٣.
وعليه إشكالان :
أحدهما : أنه قد يكون صادقا في قذفه، فتكذيبه لنفسه كذب، فكيف تشترط المعصية في التوبة هي ضدها، ونجعل المعاصي سبب صلاح العبد قبول شهادته ورفعته ؟.
وثانيهما : أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق، أو صادق فهو عاص، لأن تعبير الزاني بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال ؟
والجواب عن الأول : أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته ؛ وللإصلاح بين الناس. وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف، وتقليل الأذية والفضيحة عند الناس، وقبول شهادته في نفسه وعوده إلى الولاية التي يشترط فيه العدالة وتصرفه في أموال أولاده وتزوجه لمن يلي عليه وتعرضه للولايات الشرعية.
وعن الثاني : أن تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة. قال مالك : " لا يشترط في قبوله توبته ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه، بل صلاح حاله بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب " ٤. ( الفروق : ٤/٦٩-٧٠. والذخيرة : ١٠/٢١٩-٢٢٠ ).
٩٠٨- قال مالك وأكثر أصحابه وأبو حنيفة : " إن شهادة القاذف جائزة حتى يحد، لأن الله تعالى قال : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا فرتب عدم القبول على عدم الإتيان بالشهادة. وإذا لم يحد فهل تتأتى منه إقامة الشهادة ؟ وقال الشافعي وعبد الملك : لا تقبل، لأنه قبل الحد شر منه بعده، لأن الحد كفارة له. وإذا تاب قبلت عند مالك ومنعها أبو حنيفة٥ لقوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا . ( الذخيرة : ١٢/١١٧ ).
٢ - قال ابن رشد: "قال مالك: تجوز شهادته، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تجوز شهادته أبدا..." بداية المجتهد: ٦/١٤١..
٣ - ن: المنتقى: ٥/٢٠٧- ٢٠٨. بتصرف..
٤ - ن: الموطأ: ١٢/٧٢١. كتاب الأقضية، باب: القضاء في شهادة الحدود..
٥ - ن: بداية المجتهد: ٦/١٤١..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي