ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ثم ذكر حد القذف، فقال :
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذالِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قلت :" ثمانين " : مفعول مطلق، و " جلَدة " : تمييز. " إلا الذين تابوا " : إما استثناء من ضمير " لهم "، فمحله : الجر، أو : من قوله :" الفاسقون "، فمحله : النصب ؛ لأنه بعد مُوجَبٍ تام.
يقول الحق جل جلاله، في بيان شأن العفائف، بعد بيان شأن الزواني : والذين يرمُون أي : يقذفون بالزنا المحصناتِ ؛ الحرائر العفائف المسلمات المكلفات، بأن يقول : يا زانية، أو : يا مُحبة، ولا فرق بين التصريح والتعريض، ولا بين النساء والرجال، قاذفاً أو مقذوفاً. والتعبير بالرمي، المنبئ عن صلابة الآلة، وإيلام المرمى، وبعده عن الرامي ؛ إيذان بشدة تأثيره فيهن، وكونه رجماً بالغيب. والتعبير بالإحصان يدل على أن رميهن إنما كان بالزنا، لا غير.
ثم لم يأتوا بأربعةِ شهداء يشهدون عليهن بما رموهن به، وفي كلمة " ثم " ؛ إشارة إلى جواز تأخير الإتيان بالشهود، كما أن في كلمة " لم " : تحقق الإتيان بهم. وشروط إحصان القذف : الحرية، والعقل، والبلوغ، والإسلام، والعفة عن الزنا، فإن توفرت الشروط فاجلدوهم أي : القاذفين ثمانينَ جلدة ؛ لظهور كذبهم وافترائهم ؛ لقوله تعالى : فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ النور : ١٣ ]، وتخصيص رميهن بهذا الحكم، مع أن رمي المحصنين أيضاً كذلك ؛ لخصوص الواقعة، وشيوع الرمي فيهن. والحدود كلها تشطر بالرق، فعلى العبد في الزنا خمسون، وفي القذف أربعون.
ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادةً أبداً ؛ زجراً لهم ؛ لأن رد شهادتهم مؤلم لقلبهم، كما أن الجلد مؤلم لبدنهم. وقد آذى المقذوف بلسانه، فعوقب بإهدار شهادته، جزاء وفاقاً. والمعنى : ولا تقبلوا منهم شهادة من الشهادات، حال كونها حاصلة لهم عند الرمي، أبداً، مدة حياتهم، فالرد من تتمه الحدّ، كأنه قيل : فاجلدوهم وردوا شهادتهم، أي : فاجمعوا لهم بين الجلد والبرد. وأولئك هم الفاسقون ، كلام مستأنف غير داخل في جزاء الشرط ؛ لأنه حكاية حال الرامي عند الله تعالى بعد انقضاء الجزاء، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد ؛ للإيذان ببُعد منزلتهم في الشر والفساد، أي : أولئك هم المحكوم عليهم بالفسق، والخروج عن الطاعة، والتجاوز عن الحد، فإنهم المستحقون لإطلاق اسم الفاسق عليهم، دون غيرهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الغض عن مساوئ الناس من أفضل القرب، وهو من شيم ذوي الألباب، وبه السلامة من الهلاك والعطَب، والتعرض لمساوئهم من أعظم الذنوب، وأقبح العيوب، ولله در القائل :

إذَا شئْتَ أَن تَحْيَا ودينك سالم وحظك موفُورٌ وعِرْضُكَ صَيّنُ
لِسَانَكَ، لا تذكُرْ به عَوْرَةَ امِرئٍ فعندك عَوْرَاتٌ ولِلنَّاس أَلسُنُ
وإنْ أبصرت عَيْنَاكَ عيباً فقل لها :*** أيا عَيْنُ لا تنظري ؛ فللناس أعيُنُ
وعَاشِرْ بمَعْرُوفٍ وجَانِبْ مَنِ اعتَدى وفارقْ ولكنْ بالتي هي أحْسَنُ
فالمتوجه إلى الله لا يشتغل بغير مولاه، ولا يرى في المملكة سواه، يذكر الله على الأشياء، فتنقلب نوراً ؛ لحسن ظنه بالله، ويلتمس المعاذر لعباد الله ؛ لكمال حسن ظنه بهم. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير