( والذين يرمون( أي يقذفون بصريح الزنى بنحو زنيت أو يا زاني أجمع على هذا التقييد علماء التفسير والفقه بقرينة اشتراط الأربعة في الشهادة فمن قذف بغير الزنى من المعاصي لا يجب عليه حد القذف إجماعا ولكن يعززه الحاكم على ما يرى وكذا الورمي بالزنى تعريضا كما إذ قال لست أنا بزان فإنه لا يحد وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وسفيان وابن سيرين والحسن بن صالح وقال مالك وهو رواية عن أحمد أنه يحد بالتعريض لما روى الزهري عن سالم عن ابن عمر أن عمر كان يصرب الحد بالتعريض وعن علي أنه جلد رجلا بالتعريض ولأنه عرف مراده كان كالتصريح قلنا التعريض ليس كالتصريح ولذا جاز خطبة النساء في العدة تعريضا ولا يجوز تصريحا قال الله تعالى :( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء( (١) ( المحصنات( أو المحصنين بدلالة هذا النص للقطع بالفاء الافرق وهو صفة الأنوثة واستقلال دفع عار ما نسب إليه بالتأثير بحيث لا يتوقف فهمه على أهلية الاجتهاد وعليه انعقد إجماع الأمة، وتخصيص المحصنات بالذكر لخصوص الواقعة أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع والمراد بالإحصان ها هنا بإجماع أن يكون حرا عاقلا بالغا مسلما عفيفا غير متهم بالزنى وهذا محمد قوله صلى الله عليه وسلم " من أشرك بالله فلم بمحصن " عند الجمهور كما ذكرنا فيما سبق، فمن زنى في عمره مرة ثم تاب وحسن حاله وامتد عمره فقذفه قاذف بالزنى لا يحد لكون القاذف صادقا فيما رمى به لكنه يعزز لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وكذا لا يحد قاذف رقيق أو صبي أو مجنون وحكي عن داود أن قاذف الرقيق بحد ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء( بعد إنكار المقذوف فلو أقر المقذوف على نفسه بالزنى أو أقام القاذف أربعة من الشهور على الزنى سقط الحد عن القاذف ولو شهد أربعة على الزنى متفرقين غير مجتمعين لا يجب حد الزنى على المقذوف هند أبي حنيفة كما ذكرنا فيما سبق لكن يسقط حد القذف عن القاذف لوجود النصاب ولااجتماع إنما شرط احتياطا لدرء حد الزنى لا لإيجاب حد القذف وكذا لو أقر المقذوف مرة لا يجب عليه الحد ولا على قاذفه والمراد بالشهداء في هذه الآية الذين كانوا أهلا للشهادة فلو شهد أربعة على رجل بالزنى وهم عميان أو محدودون في قذف أو أحدهم عبد أو محدود في قذف فإنهم يحدون ولا يحد المشهود عليه لأنهم ليسوا من أهل أداء الشهادة فوجدوهم كعدمهم والعبد ليس بأهل للتحمل والأداء لعدم الولاية فلم يثبت شبهة الزنى لأن الزنى يثبت بالأداء ولو شهدوا وهم فساق لم يحدوا ولا يحد المقذوف لأنهم من أهل الأداء والتحمل لكن في أدائهم نوع صور لأجل الفسق فيثبت بشهادتهم شبهة الزنى فلا يحد واحد القذف ولا المقذوف حد الزنى عند الشافعي يحد الفسقة حد القذف لأنهم كالعبيد ليسوا من أهل الشهادة ومن هذه الآٍية يثبت أنه لو نقص عدد الشهود عن الأربعة حدوا لأنهم قذفوه لأنه لا حسبة عند نقصان العدد وخروج الشهادة عن القذف إنما هو باعتبار الحسبة روي الحاكم في المستدرك والبيهقي وأبو نعيم في المعرفة وأبو موسى في الدلائل من طرق أنه شهد عند عمر على المغيرة بن شعبة بالزنة أبو بكرة ونافع وشبل بن معيد ( ولم يصرح به زياد وكان رابعهم ) فجلد عمر الثلاثة وكان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحمد، وعلق البخاري طرفا منه ورواه عبد الرزاق عن الثوري عن سليمان التيمي عن أبي النهدي نحوه وفيه لما نكل زياد قال عمر هذا رجل لا يشهد إلا بحق ثم جلدهم الحد( فاجلدوهم( بعد مطالبة المقذوف إجماعا لأن فيه حق العبد وإن كان مغلوبا ( ثمانين جلدة( عن كان القذفة أحرارا وأما إن كانوا أرقاء جلد كل واحد منهم أربعين بإجماع الفقهاء وسند الإجماع القياس على حد الزنى الثابت تصنيفه بقوله تعالى :( فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب( (٢) روى البيهقي بسنده عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنه قال أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك إذا قذف إلا أربعين سوطا وروى مالك بهذا في الموطأ إلا أنه ليس فيه ذكر أبي بكر وقال الأوزاعي حد العبد مثل حد الحر ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا( عطف على الأمر بالجلد جزاء لما تضمن المبتدأ معنى الشرط فهو من تتمة الحد عندنا لأنهما أخرجا بلفظ الطلب مفوضين إلى الأئمة بخلاف قوله تعالى :( وأولئك هن الفاسقون( فإنه كلام مستأنف جملة اسمية أخرجت بطريق الإخبار لا مناسبة لها بالطلب بل هي دفع توهم استبعاد صيرورة القذف سببا لوجوب الحد الذي يندرىء بالشبهات فإن القذف خبر يحتمل الصدق والكذب وربما يحتمل أن يكون حسبة، وجه الدفع بيان فهم فاسقون عاصون بهتك ستر العفة من غير فائدة حين عجزوا عن إقامة أربعة شهداء فلهذا استحقوا العقوبة، وقال الشافعي رحمه الله جملة لا تقبلوا كلام مستأنف غير داخل في الحد لأنه لا يناسب الحد لأن الحد فعل يلزم الإمام إقامته لا حرمة فعل وقوله تعالى :( وأولئك هم الفاسقون( في مقام التعليل لرد الشهادة قلنا بل هو مناسب للحد فإن الحد للزجر والزجر في رد الشهادة أبدا أكثر من الضرب ويدل على ذلك قوله تعالى :( أبدا( فإن الفسق لا يصلح سببا لرد الشهادة أبدا بل لرد الشهادة ما دام فاسقا، لا يقال قول :( ولا تقبلوا لهم شهادةى أبدا( المراد منه ما دام هو مصر على القذف فإذا تاب قبل شهادته كم يقال لا تقبل شهادة الكافر أبدا أو يراد به ما دام كافران لأنا نقول عدم قبول الشهادة للكافر ما دام كافرا يفهم من قوله لا تقبل شهادة الكافر ولا حاجة فيه إلى قوله أبدا لا ترى أن إضافة الحكم إلى المشتق يدل على علية المأخذ وعلية الكفر لعدم قبول الشهادة يقتضي دوامه مادام الكفر فقوله أبدا في هذا المثال لغو لا يحتمل أن يكون كلام الله تعالى نظيرا له
٢ سورة النساء الآية: ٢٥٠..
التفسير المظهري
المظهري