ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

٩٠٩- الاستثناء في قوله تعالى : إلا الذين تابوا على التفسيق دون قبول الشهادة وهو باطل لأن سبب الرد التفسيق، إذا زال قبلت. ( الذخيرة : ١٢/١١٧ ).
٩١٠- قال أشهب : " من ظهرت توبته، جازت شهادته حد في قذف أو غيره من الحدود، لقوله تعال : إلا الذين تابوا ١. ".
وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون : " لا ترد شهادة القاذف حتى يجلد، وبقبول شهادة القاذف إذا تاب قاله الشافعي وابن حنبل. وقال أبو حنيفة بعدم قبولها٢ ".
لنا : قوله تعالى : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ٣ الآية، فدل ذلك أن العدل لا يتبين في خبره، ويقبل، وهذا عدل، وقوله تعالى : واستشهدوا شهيدين من رجالكم ٤ وقال أيضا : وأشهدوا ذوي عدل ٥ ولم يفرق. وقوله تعالى : إن الله يحب التوابين ٦ ومن أحبه الله تعالى فهو عدل. والاستثناء في آيات القذف يدل على ذلك، وإجماع الصحابة، فإن الذين شهدوا على المغيرة٧ بالزنى جلدهم عمر رضي الله عنه، ثم قال لهم بعد ذلك : " توبوا تقبل شهادتكم " فتاب منهم اثنان فقبل شهادتهما، وقال لأبي بكرة٨ : " تب تقبل شهادتك، وهو يقول : لا أتوب " ٩ ولم يخالفه أحد١٠، فكان إجماعا منهم.
ثم القاذف إذا قذف فحد، ثم أسلم قبلت شهادته، فكذلك المسلم، وجميع الحدود إذا تاب جناتها قبلوا، وهي أعظم من القذف كالزنى إجماعا. والحد مطهر فيجب القبول، والحد استيفاء حق، فلا يبقى مانع من القبول.
احتجوا بقوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ولم يفرق، لأنه خصص بهذا، فلو أنه يقبل إذا تاب، وسائر المعاصي كذلك، لم يبق في التخصيص فائدة، ولأن الجلد لا يرتفع بالتوبة، فكذلك رد الشهادة، ولأن الاستثناء في الآية يجب عوده على آخره في الآية، وهي قوله تعالى : وأولئك هم الفاسقون صونا للكلام عن الإبطال، فيبقى قوله تعالى : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا على حاله، وأصل مالك : عود الجملة الأخيرة فلم ينقض أصله هاهنا.
والجواب عن الأول : أنا نخصص التأبيد بحالة عدم التوبة لأنه فسق.
وعن الثاني : أن فائدة التخصيص ثبوت الحكم في الزنى، وغيره بطريق الأولى، لأن القذف أخفض رتبة منها، فإذا ردت الشهادة فأولى بغيره.
وعن الثالث : أن الحد حق كأخذ المال والقصاص، فكما لا يسقط رد المال في الحرابة وغيرها بالتوبة، فكذلك الحدود ( لا شهادة إنما هو اهتضام والحار عن تعظم الله تعالى )١١، والحوبة، تمحوها التوبة، فتقبل شهادته.
وعن الرابع : أن العلة في أحكام هذه المسائل واحدة، وهي القذف، وقبح الجناية، فإذا زال ذلك بالتوبة، وحسنت حاله مع الله تعالى زالت تلك الأحكام كلها لزوال سببها المتحد إلا الحد لكونه لا يزول لما تقدم، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الغامدي : " لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " ١٢ فأخبر عن عظيم توبتها، ومع ذلك رجمها، فعلم بأن الحدود لا تسقط بالتوبة إلا الحرابة لكون الحد فيه تنكيلا، ولا تنكيل مع التوبة، وهو في غيرها إن وقع قبل التوبة هو تنكيل، أو بعدها فتطهير. وهو الجواب عن مخالفتنا لأصلنا. ( نفسه : ١٠/٢١٧-٢١٨ ).

١ - وهو مذهب مالك. ن: المدونة: ٤/٢٣..
٢ - ن: بداية المجتهد: ٦/١٤١..
٣ - سورة الحجرات: ٦..
٤ - سورة البقرة: ٢٨٢..
٥ - سورة الطلاق: ٢..
٦ - سورة البقرة: ٢٢٢..
٧ - هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود، الثقفي يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبو عيسى. أسلم عام الخندق، وشهد الحديبية، (ت: ٥٠هج) ن: سيرة ابن هشام: ١/٣١٣. وجمهرة أنساب العرب لابن حزم: ٢٦٧..
٨ - هو نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو، الثقفي، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصن الطائف في "بكرة" فأسلم (ت: ٥١ هج) ن: أسد الغابة: ٥/٣٨-٣٩..
٩ - ن: أسد الغابة: ٥/٣٨..
١٠ - ن: المدونة: ٤/٢٣..
١١ - كذا وردت هذه العبارة في المصدر المطبوع، والمخطوط أيضا نقلا عن المحقق..
١٢ - رواه مسلم في الحدود، وأبو داود في الحدود أيضا، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
ن: صحيح مسلم: كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى. سنن أبي داود: كتاب الحدود باب المرأة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم برجمها من جهينة..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير