قال مقاتل: يجلد بين الضربين على ثيابه (١).
وقال قتادة: يخفف في حد الشراب والفرية (٢).
وقال حمّاد: يحد القاذف والشارب وعليهما ثيابهما (٣).
قوله تعالى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.
قال المفسرون: عدول يشهدون عليهن أنهن رأوهن يفعلن (٤) ذلك (٥).
فَاجْلِدُوهُمْ يعني الذين يرمون بالزنا ثَمَانِينَ جَلْدَةً.
وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا المحدود في القذف لا تقبل شهادته.
وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ قال ابن عباس: الكاذبون (٦).
وقال مقاتل: العاصون في مقالتهم (٧).
٥ - ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الآية.
اختلف العلماء والمفسرون في حكم هذا الاستثناء:
فذهب كثير (٨) منهم إلى أنَّ هذا الاستثناء راجع إلى رد الشهادة والفسق، وقالوا: إذا تاب قبلت شهادته وزال فسقه.
وذهب كثير منهم إلى أن الفسق يزول بالتوبة، وأما الشهادة فلا تقبل أبدًا.
(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٠.
(٣) رواه الطبري ١٨/ ٦٨. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة ٩/ ٥٢٥ دون قوله والشارب.
(٤) في (ع): (يفعلون)، وهو خطأ.
(٥) هذا كلام الطبري ١٨/ ٧٥ والثعلبي ٣/ ٦٨ ب بنصِّه.
(٦) روى الطبري ١٨/ ٧٦ هذا التفسير عن عبد الرحمن بن زيد. ولم أجد من ذكره عن ابن عباس.
(٧) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٤ ب.
(٨) سيذكر الواحدي من قال بذلك.
روى عطاء الخراساني عن ابن عباس في هذه الآية قال: فتاب عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز (١).
وهذا قول شريح، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، وسعيد بن المسيب (٢).
وذكره ابن حزم في " المحلى" ٩/ ٤٣١ من رواية عطاء الخراساني، عنه، به، وقال ٩/ ٤٣٣: وأما الرواية عن ابن عباس فضعيفة، والأظهر عنه خلاف ذلك.
وذكره ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٢٥٧ من رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وعزاه لعبد الرزاق، وقال: وهو منقطع، ولم يصب من قال إنّه سند قويّ. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" ٦/ ١٣١ عن ابن عباس، وعزاه لأبي داود في ناسخه وابن المنذر.
(٢) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ١٤٧ - ١٤٨ عنهم جميعًا، إلا أنَّ قول قتادة من روايته عن الحسن وابن المسيب، وذكره ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣١ عن إبراهيم النخعي، والحسن، وسعيد بن المسيب في أحد قوليه.
وقال ٩/ ٤٣٣: كل من رُوي عنه أنَّه لا تقبل شهادته وإن تاب فقد رُوي عنه قبولها إلا الحسن والنخعي فقط. اهـ.
وقول شريح رواه أيضًا عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٢، وفي "مصنفه" ٧/ ٣٨٨، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧١، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٧/ ١٣ ب - ١٤ أ، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٦.
ولشريح قول آخر في قبول شهادته رواه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادتين - باب: شهادة القاذف، ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ورواه موصولاً ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٦٩، والطبري ١٨/ ٧٨، وقال ابن حجر في "فتح البارى" ٥/ ٢٥٧: بإسناد صحيح.
وقول إبراهيم رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٧/ ٣٨٧، وابن أبي شيبة ٦/ ١٧١، =
وهذا قول من رأى أن التوبة إنما نسخت الفسق وحده (١)، وقالوا: إنه قضاء من الله أن (٢) لا تقبل شهادته أبدًا، وإنما توبته فيما بينه وبين الله.
وقد رأى آخرون أنها نسخت الفسق وإسقاط الشهادة معًا (٣).
روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا قال: فمن تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل (٤).
وروى محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: أن
وقول الحسن رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٢، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧١ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٩، وابن أبي حاتم ٧/ ١٣ ب - ١٤ أ، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٦.
وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٢ وفي "مصنفه" ٨/ ٣٦٣ والطبري ١٨/ ٧٩ من رواية عن الحسن، والطبري ١٨/ ٧٩ من رواية عن سعيد بن المسيب. ولقتادة قول آخر في قبول شهادته رواه عنه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادات باب: شهادة القاذف.. ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ورواه موصولاً عبد الرزاق في "مصنفه" ٨/ ٣٦٢، والطبري في "تفسيره" ١٨/ ٧٨ من رواية عن ابن المسيب.
وقول سعيد بن المسيب رواه عنه الطبري ١٨/ ٧٩. ولسعيد قول آخر في قبول شهادته رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٣، وفي "مصنفه" ٧/ ٣٨٤، ٨/ ٣٦٢، والطبري ١٨/ ٧٨، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي ١٠/ ١٥٣.
(١) من قوله، وهذا قول.. إلى هنا. هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ" ص ١٤٩ بنصَّه.
(٢) في (ظ)، (ع) أي.
(٣) من قوله: (وقد رأى.. إلى هنا). هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ" ص ١٤٩ بنصَّه.
(٤) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٤٩، والطبري ١٨/ ٨٠، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣ من رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به.
عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، وهم: أبو بكرة (١)، وشبل بن معبد (٢)، ونافع بن الحارث بن كلدة (٣).
ثم قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل ومن لم يفعل لم أجز شهادته. فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته (٤). وهذا قول الزهري (٥)، والقاسم بن
(٢) هو: شبل بن معبد بن عبيد البجلي، الأحمسي. تابعي مخضرم، لم يصح له سماع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وأمُّه سمية مولاة الحارث بن كلدة والدة أبي بكرة ونافع. "الإصابة" لابن حجر ٥/ ١٥٩.
(٣) هو: نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، أبو عبد الله، أخو أبي بكرة لأمه. كان ممن نزل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الطائف، وأمه سميَّة مولاة الحارث بن كلدة أم أبي بكرة وشبل وزياد. سكن البصرة. وهو أول من أفتلى -هكذا عند ابن سعد، وفي "الإصابة": اقتنى- الخيل بالبصرة؛ سأل عمر أرضًا ليست من أرض الخراج ولا تضر أحدًا يتخذها فضاءً لخيله، فأقطعه إياها.
"طبقات ابن سعد" ٥/ ٥٠٧، ٧/ ٧٠، "الإصابة" لابن حجر ٣/ ٥١٤.
(٤) ذكره الثعلبي ٣/ ٦٨ ب من رواية ابن إسحاق، به بهذا اللفظ.
ورواه الطبري ١٨/ ٧٦ من طريق ابن إسحاق، به، بنحوه.
ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" ١/ ١٥٢ من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه.
قال ابن كثير في "مسند عمر بن الخطاب" ٢/ ٥٥٨ - بعد ذكره لهذه الطرق-: وهذه طرق صحيحة عن عمر -رضي الله عنه-.
ورواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٤٩، وعبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٥٢ - ٥٣، وفي "مصنفه" ٨/ ٣٦٢ من طريق محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن ابن المسيب بمعناه.
(٥) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٠، وعبد الرزاق في "تفسيره". ٢/ ٥٢، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ٩١٧٠. =
محمد (١)، وسالم بن عبد الله (٢)، ومحارب بن دثار (٣)، وحبيب بن أبي ثابت (٤)، وابن أبي نجيح (٥)، وعطاء (٦)، وطاووس (٧)،
(١) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ١٥٠، وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢.
(٢) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ١٥٠، وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢.
(٣) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥١.
ورواه البخاري في "صحيحه" (كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٣٨٠، عن محارب، عن رواية الكرابيسي في كتاب: القضاء.
وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢.
(٤) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٢ من روايته عن عبد الله بن عتبة. وذكره ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢ عن حبيب.
(٥) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٢، والشافعي في "الأم" ٧/ ٨٢، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣.
(٦) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (١٥٢٣)، وعبد الرزاق في "مصنفه" ٧/ ٣٨٣، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٧ ب) وابن أبي شيبة ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣.
(٧) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٢، وعبد الرزاق في "مصنفه" ٧/ ٣٨٣، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣ من طريق ابن نجيح عنه.
ورواه البخاري في "صحيحه" في الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥ عنه معلقًا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٣٧٩ من رواية سعيد بن منصور وغيره.
والشعبي (١)، وعكرمة (٢)، ومجاهد (٣)، وعبد الله (٤) بن عتبة (٥)،
ورواه عنه البخاري في "صحيحه" كتاب: الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا.
ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" ٣/ ٣٨٠ من رواية الطبري وغيره.
(٢) رواه البخاري في الشهادات (باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) عنه معلقًا.
ووصله ابن حجر في "الفتح" ٥/ ٢٥٧ وفي "تغليق التعليق" ٣/ ٣٨٠ من رواية علي بن الجعد، عن شعبة عن يونس بن عبيد، عن عكرمة.
وهو في "مسند علي بن الجعد" ١/ ٦٠٠ من الرواية المذكورة.
وذكره عنه ابن حزم في "المحلى" ٩/ ٤٣٢. وحكى عنه ٩/ ٤٣١ قولًا آخر أنه لا تقبل شهادته أبدًا وإن تاب.
(٣) رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٢، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٧ ب)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٦٨، والطبري ١٨/ ٧٧، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣ من رواية ابن أبي نجيح عنه.
ورواه البخاري في الشهادات (باب شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) عنه معلقًا.
ووصله ابن حجر في "الفتح" ٥/ ٢٥٧ وفي "تغليق التعليق" ٣/ ٣٧٩ من رواية سعيد بن منصور - وغيره.
(٤) في (أ): (عبيد الله)، وهو خطأ.
(٥) هو: عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، من أبناء المهاجرين. وابن أخي عبد الله بن مسعود. ولد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، واختلف في رؤيته للنبي -صلى الله عليه وسلم-. فقيل له رؤيه، وقيل: لم يره فهو تابعي.
روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعن عمّه عبد الله، وعن أبي هريرة وغيرهم.
قال ابن سعد: وكان ثقة، رفيعًا، كثير الحديث والفتيا، فقيهًا. توفي سنة ٧٤ هـ. "طبقات ابن سعد" ٥/ ٥٨، "الكاشف" للذهبي ٢/ ١٠٧، "تهذيب التهذيب" =
والضحاك (١): وقول أهل الحجاز جميعًا (٢)، واختيار الشافعي -رضي الله عنه- (٣).
والأول قول أهل العراق (٤)، واختيار أبي حنيفة -رضي الله عنه- (٥).
قال أبو عبيد: وكلا الفريقين إنما تأوّل الآية (٦)، فالذي لا يقبلها يذهب إلى أن الكلام انقطع من عند قوله وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ثم استأنف فقال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا فأوقع التوبة على الفسق خاصة دون الشهادة، وأما الآخرون فذهبوا إلى أن الكلام معطوف بعضه على بعض فقال وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، ثم أوقعوا الاستثناء في التوبة على كل الكلام ورأوا (٧) أنَّه منتظم له.
وقوله رواه عنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٣، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٨ أ)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧٠، والطبري ١٨/ ٧٨، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣.
ورواه عنه البخاري في الشهادات - باب: شهادة القاذف ٥/ ٢٥٥) معلقًا.
ووصله ابن حجر في "فتح الباري" ٥/ ٢٥٦، وفي "تغليق التعليق" ٣/ ٣٧٨ من رواية الطبري.
(١) رواه عنه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٨ أ)، والطبري ١٨/ ٧٨، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣.
(٢) قوله: وهذا قول أهل الحجاز جميعًا. هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥٣ بنصِّه.
(٣) ذكره عنه الثعلبي ٣/ ٦٨ ب. وهو في "الأم" ٧/ ٨١.
(٤) هذا كلام أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (١٥٣).
(٥) انظر: "أحكام القرآن" للجصاص ٣/ ٢٧٣، "بدائع الصنائع" ٦/ ٢٧١، "تبيين الحقائق" ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٦) في "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ١٥٣: إنما تأول فيما نرى الآية.
(٧) في (أ): (وراء).
قال أبو عبيد: والذي يُختار هذا القول؛ لأن من قال به أكثر وأعلى، منهم عمر بن الخطاب فمن وراءه، مع أنه في النظر على هذا (١)، ولا يكون المتكلم بالفاحشة أعظم جرمًا من راكبها، ألا ترى أنهم لا يختلفون في العاهر أنه مقبول الشهادة إذا تاب، فراميه بها أيسر جرمًا إذا نزع عما قال وأكذب نفسه؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من عبده كان العباد بالقبول أولى.
مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن؛ من ذلك: قوله إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [المائدة: ٣٣ - ٣٤] فليس يختلف المسلمون أن هذا الاستثناء ناسخ للآية من أولها، وأن التوبة لهؤلاء جميعًا بمنزلة واحدة.
وكذلك قوله في الطهور حين قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ إلى قوله: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء: ٤٣] فصار التيمم لاحقًا بمن وجب عليه الاغتسال كما (٢) لحق من وجب عليه الوضوء، كذلك قوله: فَاجْلِدُوهُمْ إلى آخر الآية كلام واحد بعضه معطوف على بعض وبعضه تابع بعضًا، ثم انتظمه الاستثناء وأحاط به. انتهى كلامه (٣).
واختار أبو إسحاق هذا القول أيضًا، فقال: إذا استثنوا من الفاسقين خاصة (٤) فقد وجب قبول شهادتهم أيضًا؛ لأنهم قد زال عنهم اسم
(٢) في جميع النسخ: (كمن)، والتصويب من "الناسخ والمنسوخ".
(٣) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص ١٥٣ - ١٥٤ مع اختلاف في آخره.
(٤) في المعاني: أيضًا.
الفسق (١). قال: والقياس أيضًا هذا؛ لأن الله -عز وجل- يقول في الشهادات مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة: ٢٨٢] فليس القاذف بأشد جرمًا من الكافر، فحقّه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، كما أن الكافر إذا أسلم وأصلح قبلت شهادته.
فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله أَبَدًا؟ قيل: الفائدة أن الأبد لكل إنسان مقدار مدته في حياتهن ومقدار مدته فيما يتصل بقصته، فتقول: الكافر لا تقبل منه (٢) شيئًا أبدًا، معناه: ما دام كافرًا فلا تقبل منه شيئًا (٣)، وكذلك إذا قلت: القاذف لا تقبل منه شهادة أبدًا، فمعناه: ما دام قاذفًا، فإذا زال عنه الكفر فقد زال عنه أبده، وإذا زال عنه الفسق (٤) فقد زال أبده، لا فرق بينهم في ذلك (٥).
وهذا الذي ذكره معنى قول الشافعي -رضي الله عنه-: وإذا قبلتم توبة الكافر والقاتل عمدًا فكيف لا تقبلون شهادة القاذف وهو أحسن دينا! وقد قال الشعبي: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته (٦).
(٢) (منه) ساقطة من (أ).
(٣) عند الزجاج: لا يقبل منه شيء أبدًا، فمعناه: ما دام كافرًا فلا يُقبل منه شيء.
(٤) في المطبوع من المعاني: القذف.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٣١ مع اختلاف يسير.
(٦) "الأم" ٧/ ٤١ - ٤٢ مع اختلاف يسير.
وقول الشعبي رواه عبد الرزاق في "مصنفه" ٧/ ٣٨٨، ٨/ ٣٦٣ وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص ١٥١، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل ١٥٨ أ)، والبيهقي في "السنن الكبرى" ١٠/ ١٥٣.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧٠، والطبري ١٨/ ٧٧ بنحوه.
واختلفوا في كيفية توبته: فقال طاووس: توبته أن يكذب نفسه (١).
وقال عامر: توبته أن يقوم مثل مقامه يكذب (٢) نفسه (٣).
وقال آخرون: التوبة منه كالتوبة من سائر الذنوب يندم على ما قال، ويستغفر منه، ويترك العود فيما بقي من العمر (٤).
هذا كله إذا حدَّ بقذفه. فأما إذا لم يحد بعفو المقذوف عنه أو بموته قبل أن يطالب القاذف بحدٍّ أو لم يرفع إلى السلطان فإن شهادته تقبل. بهذا احتج الشافعي -رحمة الله عليه (٥) - فقال: هو قبل أن يحد شر منه [حين يحد] (٦) لأن الحدود كفارات فكيف تردونها في أحسن حاليه (٧). يعني بعد الحد والتوبة.
قوله وَأَصْلَحُوا قال ابن عباس: يريد إظهار التوبة (٨).
(٢) في (ع): (مكذب)، وعند ابن أبي شيبة: فيكذب.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ عنه بهذا الفظ، ورواه بنحو الطبري ١٨/ ٧٦، ٧٧، وابن أبي حاتم ٧/ ١٤ ب، والبيهقي في "السنن" ١٠/ ١٥٣.
(٤) ذكر هذا الطبري ١٨/ ٨١، والثعلبي ٣/ ٦٨ب.
وحكاه الطبري عن جماعة من التابعين وغيرهم ١٨/ ٧٧ - ٧٨، ٨١ وعن الإمام مالك بن أنس.
قال الطبري ١٨/ ٨١: وهذا القول أولى القولين في ذلك بالصواب؛ لأن الله جعل توبة كل ذي ذنب من أهل الإيمان تركه العود فيه، والندم على ما سلف منه، واستغفار ربَّه منه فيما كان.
(٥) في (ع): (رضي الله عنه).
(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).
(٧) "الأم" ٧/ ٤١ - ٤٢.
(٨) ذكر القرطبي ١٢/ ١٨٢ هذا القول ولم ينسبه لأحد.
وقال مقاتل: وأصلحوا العمل فليسوا بفساق (١).
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال ابن عباس: غَفُورٌ لذنبهم، يعني لقذفهم رَحِيمٌ بهم حيث تابوا (٢).
"فلما نزلت هذه الآية قرأها النبي -صلى الله عليه وسلم- على الناس في خطبة (٣) يوم الجمعة، فقال عاصم بن عدي الأنصاري (٤) - للنبي -صلى الله عليه وسلم-: جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً (٥)، فتكلم وأخبر بما رأى جلد (٦) ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقًا، ولا تقبل له شهادة أبدًا، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء؟ إلى أن يلتمس أربعة شهداء فقد فرغ الرجل من حاجته! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي". فخرج عاصم سامعًا مطيعًا، فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ فقال: شر! وجدت شريك بن السحماء (٧) على
(٢) ذكر القرطبي ١٢/ ١٨٢ الشطر الأخير منه، ولم ينسبه لأحد.
(٣) في (أ)، (ظ): (خطبته)، والمثبت من (ع)، وتفسير مقاتل.
(٤) هو: عاصم بن عدي بن الجدِّ بن العجلان البلوي، حليف الأنصار. كان سيد بني عجلان. شهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يشهد بدرًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- استخلفه على العالية من المدينة وضرب له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسهمه فيها. توفي في خلافة معاوية سنة ٤٥ هـ وقد جاوز المائة.
"طبقات ابن سعد" ٣/ ٤٦٦، "الاستيعاب" ٢/ ٧٨١، "أسد الغابة" ٣/ ٧٥، "الكاشف" للذهبي ٢/ ٥١، "الإصابة" ٢/ ٢٣٧.
(٥) (رجلاً) ساقط من (ط)، (ع).
(٦) في (أ): (فجلد)، وفي (ظ): (يجلد)، والمثبت من (ع) وتفسير مقاتل.
(٧) في (ظ)، (ع): (السمحاء)، وهو خطأ.
وهو: شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان البلوي، حليف الأنصار. =
بطن امرأتي خولة (١) يزني بها!. وهي (٢) خولة بنت (٣) عاصم (٤). قال: هذا - والله (٥) سؤالي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنفًا. فرجع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره (٦) هلال بن أمية بالذي كان، فبعث إليها، فقال: "ما يقول زوجك"؟ فقالت: يا رسول الله إنّه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث، فلا أدري أدركته المغيرة أو بخل علي بالطعام؟ فأنزل الله آية اللعان وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ.
وهذا قول ابن عباس في رواية جويبر، عن الضحاك، عنه (٧).
(١) (خولة) ساقطة من (ع).
(٢) (وهي) ساقطة من (أ)، وفي (ظ): (وخولة)، فسقط منها: هي.
(٣) في (ع): (ابن)، وهو خطأ.
(٤) ذكرها بهذا الاسم ابن حجر في "الإصابة" ٤/ ٢٨٥ وأشار إلى قصة اللعان وقال: لها ذكر ولا يعرف لها رواية. قاله ابن منده.
(٥) (والله) ليس في (ظ)، (ع).
(٦) في (ع): (فأخبره).
(٧) ما ذكره الواحدي جاء من عدة روايات مختلفة فأدخل المصنف بعضها على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فأول الرواية إلى قوله "فرغ الرجل من حاجته" نصُّ رواية مقاتل في "تفسيره" ٢/ ٣٤ ب، وذكرها الثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" ٣/ ٧٠ أ، وصدّرها بقوله: قال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل.
وأما بقية الرواية من قوله: هكذا أنزلت إلى آخر الرواية، فهذا نصّ رواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس والتي أخرجها الواحدي في "تفسيره الوسيط" ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦ بسنده إلى جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس.
لكن وقع في الرواية التي ساقها الواحدي في "الوسيط" أن المرأة قالت: يا رسول الله، إن ابن السحماء كان يأتينا في منزلنا فيتعلم الشيء من القرآن، فربما تركه عندي وخرج زوجي ولم ينكر علي ساعة من ليل ولا نهار، فلا أدري أدركته الغيرة،.. والرواية المذكورة هنا فيها: إنه رآني وشريكًا نطيل السهر ونتحدث. =
وقال مقاتل (١)، وآخرون (٢): الذي وجد امرأته مع شريك بن
ورواية جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رواية شديدة الضعف سندًا غريبة متنًا، فأما ضعفها سندًا فلأنها من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وجويبر هذا قال عنه الذهبي في "المغني" في "الضعفاء" ١/ ١٣٨: قال الدارقطني وغيره: متروك. وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب" ١/ ٣٦: ضعيف جدًا.
كما أن في سندها انقطاعًا فإن الضحاك لم يلق ابن عباس كما قال ذلك الأئمة. انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر ٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤.
أما غرابة المتن فلأن فيه: "فخرج عاصم سامعًا مطيعًا فاستقبله هلال" والمعروف في الروايات الصحيحة كما سيأتي أن الذي لقي عاصمًا هو عويمر ابن عمه.
ولذلك قال الزيلعي في تخريجه لأحاديث "الكشاف" ٢/ ٤٢١ بعد ذكره الرواية التي ساقها الزمخشري في "الكشاف" وهي نحو الرواية المذكورة هنا-: غريب بهذا السياق، وفيه تخليط، فإن حديث عاصم بن عدي رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس من غير هذا الوجه، وروى مسلم أوله عن ابن مسعود وليس فيه ذكر الأسامي.
وقصة شريك وهلال رواها مسلم، وليس فيها ذكر عاصم وغيره.
ثم قال الزيلعي: ونقله الثعلبي يعني الرواية التي ساقها صاحب "الكشاف" هكذا بتمامه عن ابن عباس.
قال ابن حجر في كتابه تخريج أحاديث "الكشاف" معلقًا على قول الزيلعي الأخير وكأنه من رواية الكلبي عن أبي صالح عنه، والمحفوظ عن ابن عباس بغير هذا السياق وهو متفق عليه وليس فيه تسميتهم.
وكلام ابن حجر يدل على أنه لم يطلع على رواية جويبر هذه. والله أعلم.
ولما ذكر القرطبي رواية الواحدي هنا قال: والصحيح خلافه. يعني أن عاصمًا استقبله هلال بن أمية ١٢/ ١٨٤.
(١) "تفسير مقاتل" ٢/ ٣٤ أ.
(٢) هذا قول مقاتل بن حيان: انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" ٧/ ١٦ ب.
السحماء (١): عويمر (٢) ابن عم لعاصم بن عدي، وامرأته خولة بنت قيس بن محصن (٣). وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم.
وأما قصة هلال بن أمية: فروى عكرمة، عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ قال سعد بن عبادة: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون إلى ما يقول سيدكم"؟ فقال سعد: والله -يا رسول الله- إني لأعلم (٤) أنها حق وإنّها من الله.
ثم ذكر نحو حديث عاصم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما لبثوا إلا (٥) يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- فقذف امرأته بشريك بن عبدة، وأمه السحماء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "البينة وإلا حد في ظهرك". فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن في أمري ما يبرئ ظهري من الحد. فنزلت آية اللعان (٦).
(٢) هو: عويمر بن أبي أبيض العجلاني، ويقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن جابر بن الجدَّ بن العجلان، وأبيض لقب لأحد آبائه. "الإصابة" ٣/ ٤٥.
(٣) نقل هذا ابن حجر في "الفتح" ٩/ ٤٤٨ عن القرطبي عن مقاتل بن سليمان. ولم أجد من ترجم لخولة هذه.
(٤) في (أ): (لا أعلم)، وهو خطأ.
(٥) (إلا) ساقط من (ع).
(٦) قصة هلال بن أمية التي ساقها هنا الواحدي من رواية عكرمة عن ابن عباس قد جاءت من طرق عن عكرمة عن ابن عباس، لكن الواحدي أدخل بعض الروايات على بعض وساقها مساقًا واحدًا، فمن قوله "لما نزلت".. إلى قوله: "وكان أحد الثلاثة" رواه االإمام أحمد في "مسنده" ٤/ ٦ - ٩ طبعة شاكر وأبو داود في "سننه" =
وقال الكلبي: الذي وجد امرأته مع شريك هو عاصم بن عدي، رجع يومًا إلى أهله فوجده على بطن امرأته، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبره بما رأى فنزل آية اللعان (١).
وهذه ثلاثة أقوال في الواجد امرأته مع رجل:
أحدها (٢): أنه هلال بن أمية.
والثاني: أنه عويمر العجلاني.
والثالث: أنه عاصم (٣).
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٥/ ١٢ - بعد ذكره لرواية أبي يعلى-: ومداره على عبّاد بن منصور وهو ضعيف.
وقال في "مجمع الزوائد" ٧/ ٧٤: رواه أحمد وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف، وقد وثق.
(١) ذكره الرازي في "تفسيره" ٢٣/ ١٦٥: من رواية الكلبي عن ابن عباس. وروايات الكلبي لا يعتمد عليها.
(٢) في (أ): (أحدهما).
(٣) حكى ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٤٥١ هذا القول ثم قال: فيه نظر لأنَّه ليس لعاصم فيه قصة، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة. اهـ.
ومما يدل على ما قاله ابن حجر ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" كما في "مجمع البحرين في زوائد المعجمين" للهيثمي ٤/ ٢٤٠ عن عاصم بن عدي أنه كان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما نزلت هذه الآية ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فقلت. يا رسول الله: =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي