ان الدين بما لا دليل عليه باطل فكيف بما شهدت بداهة العقول بخلافه فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فهو مجازى له على قدر ما يستحقه جواب يدع إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ اى الشان لا ينجو من كفر من سوء الحساب والعذاب وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ امر رسول الله بالاستغفار والاسترحام إيذانا بانهما من أهم الأمور الدينية حيث امر به من غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكيف بمن عداه كما قال فى التأويلات النجمية الخطاب مع محمد عليه السلام يشير الى انه مع كمال محبوبيته وغاية خصوصيته ورتبة نبوته ورسالته محتاج الى مغفرته ورحمته فكيف بمن دونه وبمن يدعو مع الله الها آخر اى فلا بد لامته من الاقتداء به فى هذا الدعاء وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ يشير الى انه يحتمل تغير كل راحم بان يسخط على مرحومه فيعذبه بعد ان يرحمه وان الله جل ثناؤه إذا رحم عبده لم يسخط عليه ابدا لان رحمته ازلية لا تحتمل التغير وفى حقائق البقلى اغفر تقصيرى فى معرفتك وارحمني بكشف زيادة المقام فى مشاهدتك وأنت خير الراحمين إذ كل الرحمة فى الكونين قطرة مستفادة من بحار رحمتك القديمة وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه انه مرّ بمصاب مبتلى فقرأ فى اذنه (أَفَحَسِبْتُمْ) حتى ختم السورة فبرئ بإذن الله فقال عليه السلام (ما قرأت فى اذنه) فاخبره فقال (والذي نفسى بيده لو ان رجلا موقنا قرأها على جبل لزال) - روى- ان أول هذه السورة وآخرها من كنوز العرش من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع آيات من آخرها فقد نجا وأفلح وعن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان عليه السلام إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوى النحل فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يده وقال (اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارض عنا وارضنا) ثم قال (لقد انزل علىّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة) ثم قرأ (قد أفلح المؤمنون) حتى ختم العشر تمت سورة المؤمنين فى الثاني والعشرين من شهر الله رجب من سنة سبع ومائة والف
تفسير سورة النور
وهى مدنية اثنتان او اربع وستون آية
بسم الله الرحمن الرحيم قال القرطبي مقصود هذه السورة ذكر احكام العفاف والستر كتب عمر رضى الله عنه الى الكوفة علموا نساءكم سورة النور وقالت عائشة رضى الله عنها قال رسول الله ﷺ (لا تنزلوهن) اى النساء (فى الغرف ولا تعلموهن الكتابة وعلموهن سورة النور والغزل) سُورَةٌ سورة القرآن طائفة منه محيطة بما فيها من الآيات والكلمات والعلوم والمعارف مأخوذة من سورة المدينة وهو حائطها المشتمل عليها وهى خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة وانما أشير إليها مع عدم سبق ذكرها لانها باعتبار كونها فى شرف الذكر فى حكم الحاضر المشاهد والتنكير مفيد للفخامة من حيث الذات كما ان قوله تعالى أَنْزَلْناها مفيد لها من حيث الصفة اى أنزلناها من عالم القدس بواسطة جبريل وَفَرَضْناها اى أوجبنا ما فيها من الاحكام إيجابا قطعيا فان اصل الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه كقطع
لواحد منهما ان يعفو لانه خالص حق الله ولهذا لم يصح ان يصالح عنه بمال وإذا تاب القاذف قبل ان يثبت الحد سقط وإذا قذف الصبى او المجنون امرأته او أجنبيا فلا حد عليهما ولا لعان لا فى الحال ولا إذا بلغ او أفاق ولكن يعذران تأديبا ولو قذف شخصا مرارا فان أراد زنية واحدة وجب حد واحد وان أراد زنيات مختلفة كقوله زنيت بزيد وبعمرو تعدد لتعدد اللفظ كما فى الكبير وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً عطف على اجلدوا داخل فى حكمه تتمة له لما فيه من معنى الزجر لانه مؤلم للقلب كما ان الجلد مؤلم للبدن وقد أذى المقذوف بلسانه فعوقب باهدار منافعه جزاء وفاقا واللام فى لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة قدمت عليها لكونها نكرة وفائدتها تخصيص الرد بشهادتهم الناشئة عن اهليتهم الثابتة لهم عند الرمي وهو السر فى قبول شهادة الكافر المحدود فى القذف بعد التوبة والإسلام لانها ليست ناشئة عن أهليته السابقة بل أهليته حدثت له بعد إسلامه فلا يتناول الرد والمعنى لا تقبلوا من القاذفين شهادة من الشهادات حال كونها حاصلة لهم عند القذف أَبَداً اى مدة حياتهم وان تابوا وأصلحوا وَأُولئِكَ هُمُ لا غيرهم الْفاسِقُونَ الكاملون فى الفسق والخروج عن الطاعة والتجاوز عن الحدود كأنهم هم المستحقون لاطلاق اسم الفاسق عليهم من الفسقة قال فى الكبير يفيد ان القذف من الكبائر لان الفسق لا يقع الا على صاحبها إِلَّا الَّذِينَ تابُوا استثناء من الفاسقين مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى من بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم وَأَصْلَحُوا أعمالهم بالتدارك ومنه الاستسلام للحد والاستحلال من المقذوف فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما يفيده الاستثناء من العفو عن المؤاخذة بموجب الفسق كأنه قيل فحينئذ لا يؤاخذهم الله بما فرط منهم ولا ينظمهم فى سلك الفاسقين لانه مبالغ فى المغفرة والرحمة وفى الآية اشارة الى غاية كرم الله ورحمته على عباده بان يستر عليهم ما أراد بعضهم إظهاره على بعض ولم يظهر صدق أحدهما او كذبه ولتأديبهم أوجب عليهم الحد ورد قبول شهادتهم ابدا وسماهم الفاسقين وليتصفوا بصفاته السارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب إخوانهم المؤمنين ولا يتبعوا عوراتهم وقد شدد النبي على من يتبع عورات المسلمين ويفشى أسرارهم فقال (يا معشر من آمن بلسانه ولم يؤمن قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فانه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة على رؤس الاشهاد) وقال عليه السلام (من ستر على مسلم ستر الله عليه فى الدنيا والآخرة) : قال الشيخ سعدى
| منه عيب خلق فرومايه پيش | كه چشمت فرو دوزد از عيب خويش |
| كرت زشت خويى بود در سرشت | نه بينى ز طاوس جز پاى زشت |
| طريق طلب كز عقوبت رهى | نه حرفى كه انكشت بر وى نهى |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء