ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

( إلا الذين تابوا من بعد ذلك( أي من بعد القذف ( وأصلحوا( أحوالهم وأعمالهم بالتدراك ( فغن الله غفور رحيم( قال أبو حنيفة رحمه الله هذا الاستثناء راجع إلى الجملة الأخيرة ومحله النصب لما تقرر في الأصول من مذهبه أن الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة بعضها على بعض يرجع إلى الأخيرة ما لم يكن هناك قرينة صارفة عنها إلى الكل لكونها قيبة من الاستثناء متصلة بهن ولأن الجملة الأخيرة ها هنا منقطعة عما سبقها من الجمل نظرا إلى حكمه لاختلاف نسقها وإن اتصلت بما سبق باعتبار ضمير أو اسم إشارة ولأن الجملة الأخيرة بسب انقطاعها عما سبق حائل بين المستثنى، وبين ما سبق من الجملتين الأوليين فلا يتحقق الاتصال الذي هو شرط الاستثناء ولأن الاستثناء يعود إلى ما قبله لضرورة عدم استقلاله وقد اندفعت الضرورة بالعود إلى جملة واحدة وقد عاد إلى الخيرة بالاتفاق فلا ضرورة في العود إلى ما قبلها ولأنه لما ورد الاستثناء في الكلام لزم توقف صدر الكلام عليه ضرورة أنه لا يدل له من مغير والضرورة تندفع بتوقف جملة واحدة فلا يتجاوز إلى الأكثر، لا يقال أن الواو للعطف والتشريك فيفيد اشتراك الجمل في الاستثناء لأنا نقول العطف لا يفيد شركة الجملة التامة في الحكم مع أن وضع العاطف للتشريك في الإعراب والحكم فلان لا يفيد التشريك في الاستثناء وهو بغير الكلام وليس بحكم له أولى ولأن التوبة تصلح منهيا للفسق ولا تصلح منهيا للحدود لا تندفع بالتوبة والله أعلم وقال الشعبي إن الاستثناء يرجع إلى الكل ومحله النصب فيسقط عنده حد القذف بالتوبة، وجمهور العلماء على أنه لايسقط بالتوبة، وقال مالك والشافعي الاستثناء راجع على الجملتين الآخريين دون الأولى ومحله الجر، ومبنى هذين القولين ما ذكر في الأصول من مذهب الشافعي وغيره أن الاستثناء عند عدم القرينة يرجع إلى الجمل المتعاطف كلها، غير أن الشافعي يقول إن جملة لا تقبلوا منقطع عما سبق غير داخلة في الحد فلا يرجع الاستثناء إلى الجملة الأولى لأجل الانقطاع ويرجع إلى الآخرين وقال البيضاوي ما حاصله أن الاستثناء راجع إلى الكل ولا يلزم منهع سقوط الحد بالتوبة كما قيل لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف قلت التوبة والاستغفار فلو فرض شهادته بنفس القذف وإن لم يطالب المقذوف حده لأجل فسقه، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حاله قبلت شهادته سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله وبعد التوبة يقبل شهادته ويزول عنه اسم الفسق قال البغوي يروى ذلك عن عمرو ابن عباس وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاووس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري قال البغوي قال الشافعي وهو يعني القاذف قبل أن يحد شر منه حين يحد لأن الحدود كفارات فكيف ترد شهادات في أحسن حاليه وتقبل في شر حاليه قلنا نحن أيضا نقول أن القاذف نرد شهادته بنفس القذف لأجل فسقه فإن لم يطالب المقذوف الحد لا يحد ولا يقبل شهادته بنفس القذف لأجل فسقه فإن لم يطالب المقذوف الحد لا يحد ولا يقبل شهادته ما لم يتب روى عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( إلا الذين تابوا وأصلحوا( قال : توبتهم إكذباهم أنفسهم فإن كذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم " ولهذا الحديث أي لا تقبلوا لهم شهادة أبدا فإن تاب قبلت شهادته لزواله فسقه وإن طالب المقذوف يحد فيجلد ثمانين سوطا ولا يقبل شهادته أبدا سواءا تاب أو لم يتب لأن رد الشهادة حينئذ لحق العبد وحق العبد لا يسقط بالتوبة فلا يلزمنا ما قال الشافعي أنه ترد شهادته في أحسن حاليه وتقبل في شر حاليه.
فائدة : لا خلاف في أن حد القذف اجتمع فيه الحقان حق الله تعالى وحق العبد فإنه شرع لدفع العار عن المقذوف وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه هو حق العبد ثم إنه شرع زاجرا ولذا سمي حدان والمقصود من شرع الزواجر إخلاء العالم عن الفساد وهذا آية حق الله تعالى فمن أجل كونه حقا للعبد يشترط فيه مطالبة المقذوف ولا يبطل الشهادة بالتقادم ويجب على المستأمن ويقيمه القاضي بعلمه إذا علمه في أيام قضائه لا ذا علم قبل ولايته حتى يشهد به عنده ويقدم استيفاؤه على حد الزنى والسرقة إذا اجتمعا ولا يصح الرجوع عنه بعد الإقرار به، ومن اجل كونه حقا لله تعالى لا يجوز للمقذوف استيفاؤها بنفسه بل الاستيفاء للإمام ويندرىء بالشبهات ولا ينقلب مالا عند سقوطه ولا يستخلف عليه القاذف وينتصف بالرق كسائر العقوبات الواجبة حقا لله تعالى، بخلاف حق العبد فإنه يتقدر التألف ولا يختلف باختلاف المتلهف ولهذه الفروع كلها منفعة عليها واختلفوا في تغليب أحد الحقين على الآخر فمال الشافعي إلى تغليب حق العبد باعتبار حاجته وغنى الله تعالى، ومال أبو حنيفة إلى تغليب حق الله تعالى لأن ما للعبد يتولاه مولاه فيصير حق العبد مرغوبا به ولا كذلك عكسه إذ لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الله تعالى إلا بنيابته، ويتفرع على هذا الاختلاف فروع آخر مختلف فيها، منها الإرث فعند الشافعي حد القذف يورث وعند أبي حنيفة لا يورث إذ الإرث لا يجري في حقوق الله ويجري في حقوق العباد بشرط كونه مالا أو ما يتصل بالمال كالكفالة أو ما ينقلب إلى المال كالقصاص والحد ليس شيئا منها فيبطل بموت المقذوف، إذ لم يثبت بدليل شرعي استخلاف الشرع وارثا جعل له حق المطالبة التي جعل شرطا لظهور حقه، فمن قذف أحدا فمات المقذوف قبل إقامة الحد أو بعد ما أقيم بعضه بطل الباق عندنا خلافا للشافعي ومنها العفو فلو عفا المقذوف بعد ثبوت الحد لا يسقط عندنا وعند الشافعي وهو رواية عن أبي يوسف يسقط، لكن قال المقذوف لم يقدفني وكذب شهودي فحينئذ يسقط اتفاقا لما ظهر أن القذف لم يوجد فلم يجب الحد لا أنه وجب فسقط بخلاف القصاص فغنه يسقط بالعفو بعد وجوبه لأن الغالب فيه حق العبد، ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عن حد القذف عند أبي حنيفة وبه قال مالك وعند الشافعي وأحمد يجوز ومنها أنه يجري فيه التداخل عند أبي حنيفة وبه قال مالك حتى لو قذف شخصا واحدا مرات أو قذف جماعة كان فيه حدا واحدا إذ لم يتخلل الحد بين القذفين ولو ادعى بعضهم فحد ففي أثناء الحد ادعى آخر كمل ذلك الحد وعند الشافعي لا يجري فيه التداخل قلت لما ثبت أن حد القذف اجتمع فيه حق الله وحق العبد كما يشهد به المسائل المتفقة عليها وثبت أيضا أن الحدود تندرىء بالشبهات، فالأولى أن يقال إنه إذا اقتضى أحد الحقين وجوب الحد والاخر سقوطه فلا بد أن يفتى بالسقوط فإنه إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة، فلا يقال يجريان الإرث فيه كما قال أبو حنيفة ويقال بسقوطه بعفو المقذوف لسقوط المطالبة التي هي شرط لاستفائه كما قال الشافعي ويجري فيه التداخل كما قال أبو حنيفة، ولو صالحا على الاعتياض يعني بسقوط الحد فحصول الرضاء من المقذوف ولا يجب المال على القاذف لاحتمال كونه حقا لله تعالى والله أعلم.
روى البخاري في الصحيح عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم " البينة أوحد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا وجد أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يقول :" البينة وإلا حد في ظهرك " فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق فلينزلن الله ما يبره ظهري من الحد فنزل جبرائيل وأنزل الله عليه والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير