ﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ويروى أن الحَسَنَ قال: إن الزاني إذا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ لا يزوج إلا بامرأة
أُقيمَ عليها الحَدُّ مِثْلُه، وكذلك المرأة إذا أقيم عليها الحدُّ عِنْدَهُ لا تزوج إلا
برجل مثلها.
وقال بَعْضُهم: الآية منسوخة نسخها قوله: (وأنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُم).
وأكثر القول أن المعنى هَهُنَا على التزويج.
ويجوز " وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ " بمعنى وحرَّمَ اللَّه ذلك على
المُؤْمِنين، ولم يقرأ بها.
وهذا لفظُه لفظ خَبَرٍ، ومعناه معنى الأمْرِ، ولو كان على ماقال مَنْ قَالَ إنه
الوَطْءُ لما كان في الكلام فَائِدَةٌ، لأن القائل إذا قال الزانية لا تَزْني إلا بِزَانٍ.
والزاني لا يزني إلا بزانيةٍ، فليس فيه فائدة إلا عَلَى جهة التغليظ في الأمر، كما تقول للرجل الذي قَدْ عَرفْتَهُ بالكذبِ: هذا كذاب، تريدُ تغليظ أَمْرِهِ. فعلى ما فيه الفائدة ومَا توجِبُه اللغَةُ أن المعنى مَعنى التزْوِيج.
* * *
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
(٤)
معنى (يَرْمُونَ المحصنَاتِ) أي، بالزِنا، لكنه لم يَقُلْ بالزنَا، لأن فيما تَقَدَّمَ
مِنْ ذِكْر الزانِيةِ والزاني دليلًا على أن المعنى ذَلِك.
ومَوْضِعُ (الذين) رفع بالابتداء.
وعلى قراءة عيسى بن عُمَر، يجب أن يكون مَوضَعُ (الذين يَرْمُونَ
المُحْصَنَاتِ) نَصْباً على معْنى اجلدوا الذين يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثم لم يأتوا
بأربعة شهداء.
وعلى ذلك اختيار سيبويه والخليل.
والمحصنات ههنا: اللواتي أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ بالعِفَّةِ (١).
وقوله: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)

(١) قال السَّمين:
قوله: والذين يَرْمُونَ المحصنات: كقولِه: الزانية والزاني فاجلدوا [النور: ٢]، فيعودُ فيه ما تقدَّم بحاله. وقوله: المحصنات فيه وجهان أحدُهما: أنَّ المرادَ به النساءُ فقط، وإنَّما خَصَّهُنَّ بالذِّكْر؛ لأنَّ قَذْفَهُنَّ أشنعُ. والثاني: أنَّ المرادَ بهنَّ النساءُ والرجال، وعلى هذا فيقالُ: كيف غَلَّبَ المؤنَّثَ على المذكر؟ والجوابُ: أنه صفةٌ لشيء محذوفٍ يَعُمُّ الرجالَ والنساءَ، أي: الأنفسَ المحصناتِ وهو بعيدٌ. أو تقولُ: ثَمَّ معطوفٌ محذوفٌ لفهمِ المعنى، والإِجماعُ على أنَّ حكمَهم حكمُهن أي: والمُحْصَنين.
قوله: بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ العامَّة على إضافة اسمِ العددِ للمعدود. وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم بالتنوينِ في العدد، واستفصحَ الناسُ هذه القراءةَ حتى جاوزَ بعضُهم الحدَّ، كابنِ جني، ففضَّلها على قراءة العامَّةِ قال: «لأنَّ المعدودَ متى كان صفةً فالأجودُ الإِتباعُ دونَ الإِضافةِ. تقول: عندي ثلاثةُ ضاربون، ويَضْعُفُ ثلاثةُ ضاربين» وهذا غلطٌ، لأن الصفةَ التي جَرَتْ مجرى الأسماءِ تُعْطى حكمَها فيُضاف إليها العددُ، و «شهداء» مِنْ ذلك؛ فإنه كَثُرَ حَذْفُ موصوفِه. قال تعالى: مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ [البقرة: ٢٨٢] وتقول: عندي ثلاثةُ أَعْبُدٍ، وكلُّ ذلك صفةٌ في الأصل.
ونَقَل ابنُ عطية عن سيبويهِ أنه لا يُجيزَ تنوينَ العددِ إلاَّ في شعرٍ، وليس كما نقله عنه، إنما قال سيبويه ذلك في الأسماءِ نحو: ثلاثةُ رجالٍ، وأمَّا الصفاتُ ففيها التفصيلُ المتقدمُ.
وفي شُهَدَآءَ على هذه القراءةِ ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنه تمييزٌ. وهذا فاسد؛ لأنَّ مِنْ ثلاثة إلى عشرة يُضافُ لمميِّزه ليس إلاَّ، وغيرُ ذلك ضرورةٌ. الثاني: أنه حالٌ وهو ضعيفٌ أيضاً لمجيئها من النكرةِ من غيرِ مخصِّص. الثالث: أنها مجرورةٌ نعتاً لأربعة، ولم ينصَرِفْ لألف التأنيث. اهـ (الدُّرُّ المصُون)

صفحة رقم 30

اختلف الناس في قبول شهادة القاذف، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا تَابَ مِنْ قَذْفِهِ
قُبِلَتْ شهادَتُه.
ويروى أَنَ عُمَر بنَ الخَطَابِ قَبلَ شهادة قاذفيْن، وقال لأبي بكرة
إنْ تُبْتَ قَبِلتُ شَهَادَتَك.
وتوبتُه أَن يرْجَع عن القذف.
وهذا مذهب أكثر الفقهاء، وأما أَهْلُ العِرَاقِ فيقولون شهادَتُه غير مقبولة لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا)، قالوا، وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
قالوا: هذا الاستثناء من قوله: (وأولئك هم الفاسقون)، فاسْتُثْنِيَ التائبُونَ
مِنَ الفَاسِقين.
وقال من زعم أن شهادته مَقْبُولَةٌ أن الاستثناء من قوله:
(وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أبداً. إِلا الَّذِينَ تَابُوا قالوا وقوله:
(وَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) صِفَةٌ لَهُمْ.
وَأَجْمَعُوا أن من قذف وهوكافر ثم أسلم وتَابَ، وكان بَعْدَ إسْلاَمِه
عَدْلاً قبلت شَهادَتُه وإن كان قاذفاً، والقياس قبول شهادة القاذف إن تاب
واللَّه - عزَّ وجلَّ - يقول في الشهادات: (مِمنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهَدَاءِ)
فليس القاذف بِأَشد جُرْماً مِنَ الكافِر، فحقه أنه إذا تاب وأصلح قُبِلَتْ شهادَتُه، كما أن الكافِرَ إذا أسلم وأصلح قبلت شَهادَتُه.
فإن قال قائل: فما الفائدة في قوله (أَبَدًا)؟
قيل الفَائِدَةُ أن الأبدَ لكل إنسان مقدار مُدتِهِ في حياته، ومقدار مدَّتِه فيما يتصل بقصَّتِهِ. فتقول: الكافر لا يُقْبَلُ منه شَيْء أَبَداً فمعناه، ما دام كافراً فلا يقْبَلُ منه شيء.
وكذلك إذَا قُلْتَ: القَاذِفُ لا تُقْبَل منه شَهادَة أبداً، فمعناه ما دَامَ قَاذِفاً، فإذا زال عنه الكفر فقد زال أَبَدُه، وكذلك القاذفُ إذا زال عنه القذفُ فقد زال عنه أَبَدُه، ولا فرقَ بين هَذا وذَلكَ. -
وتقرأ (ثم لم يأتوا بِأربَعَةٍ شهدَاءَ) - بالتنوين - (فَاجْلِدُوهًمْ)، فأرْبَعة

صفحة رقم 31

معاني القرآن وإعرابه للزجاج

عرض الكتاب
المؤلف

أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل، الزجاج

تحقيق

عبد الجليل عبده شلبي

الناشر عالم الكتب - بيروت
سنة النشر 1408
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 5
التصنيف ألفاظ القرآن
اللغة العربية