وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نعم ومحرم ذلك على المؤمنين الكاملين فنكاح المؤمن الصادق المحمود عند الله زانية خبيثة فاجرة وانخراطه في بيئة الفساق محظور عليه ومحرم، ولو كانت الزانية الفاجرة من أثرياء العالم.
وليس معنى ذلك أن العقد محرم ولا يصح، وإنما التحريم معناه لا ينبغي للمسلم ولا يصح ذلك منه من حيث كونه مؤمنا صادقا وإن عقد فالعقد صحيح من ناحية الحكم الشرعي، وكذلك الشأن عند من تتزوج من زان خبيث،
ولقد صدق رسول الله صلّى الله عليه وسلم «فاظفر بذات الدّين تربت يمينك»
أما نكاح المؤمن للمشركة وبالعكس فحرام مطلقا وهذا تعليم قرآنى كريم لا يصدر إلا من خبير بصير رءوف بنا رحيم، فقد أثبتت الأيام أن هذه الزيجات التي تعقد على أساس المادة مع التعامي عن الخلق والسيرة الحسنة فاشلة وغير مجدية.
بقي علينا أن نفهم السر في تقديم الزانية على الزاني في أول الآية، وتقديم الزاني على الزانية في عجز الآية!!.
ولعل السر أن الزنى ينشأ غالبا وللمرأة فيه الضلع الأكبر فخروجها سافرة متبرجة متزينة، داعية لنفسها بشتى الوسائل المغرية من أصباغ وعطور وملابس ضيقة تبرز كل أجزاء جسمها فهن العاريات الكاسيات المائلات المميلات، ثم هي تمشى بحركات وسكنات ونظرات كلها إغراء، وإلهاب للشباب وفتنة، وهذه كلها حبائل للشيطان، وليس معنى هذا أن الرجال بريئون، لا. بل عليهم قسط كبير في الجرم وقسط المرأة أكبر ولذا قدمها على الزاني وفي عجز الآية حيث يعالج النكاح بمعنى العقد وللمرأة فيه الخطوة الثانية أما الرجل فله مهما كانت الظروف الخطوة الأولى والكلمة الأولى، ولذا قدمه على المرأة والله أعلم بأسرار كتابه.
القذف بالزنا وحدّه [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤ الى ٥]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
المفردات:
يَرْمُونَ الرمي: الإلقاء والقذف بحجر أو سهم مما يضر أو يؤذى استعير لنفى النسب والقذف بالزنى لما فيه من الأذى والضرر الْمُحْصَناتُ الإحصان هنا معناه العفة شُهَداءُ جمع شهيد وهو الشاهد، وسمى بذلك لأنه يخبر عن شهادة وعلم ويقين وأمانة.
وهذا حكم القذف بالزنى، وفيه دلالة على عظيم جرمه وكبير إثمه حيث كان الرمي به حده ثمانون جلدة، ورد الشهادة، والحكم بالفسق فما بال من يرتكب؟ أليس تخصيص هذا الحد بالزنى دون السرقة والقتل دليلا على ذلك.
المعنى:
والذين يرمون المحصنات العفيفات بالزنى، ويتهمونهم بهذا الجرم الفظيع الذي يثلم العرض، ويؤذى النفس، ويطأطئ الرأس، ثم لم يأتوا بشهداء أربعة يشهدون بصدق قولهم، ولم يحصل إقرار ممن رمى بالزنا فجزاء هؤلاء القاذفين أن يجلدوا ثمانين جلدة، وألا يقبل من لسان فاعل هذا الفعل شهادة أبدا جزاء له على ما ارتكب من جرم، وأولئك هم الفاسقون الخارجون عن حدود الله وحدود شرعه.
إلا الذين تابوا وأنابوا من بعد ذلك الخطأ الشنيع، وأصلحوا ما أفسدوا بأن يقروا بأنهم أخطئوا في رميهم بالزنا فإن الله غفور رحيم، وهل تقبل شهادتهم بعد ذلك، ويخرجون من حكم الفسق أو لا تقبل شهادتهم أبدا، ولو بعد التوبة قولان لأئمة الفقه، ولكل سند يؤيد رأيه.
أما التوبة الصادقة فتقضى من الإنسان أن يعلم علما يقينا قلبيا بجرم ذنبه وخطأ رأيه، فيندم بعد ذلك ندما عميقا شديدا على فعله، ويستتبع ذلك الإقلاع عن الذنب
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي