قوله : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ( ٦١ )
يعني من كان به شيء من مرض. تفسير السدي.
وتفسير الكلبي أن أهل المدينة قبل أن يسلموا كانوا يعزلون الأعمى والأعرج والمريض فلا يؤاكلونهم. وكانت الأنصار فيهم تنزه وتكرم. فقالوا أن الأعمى لا يبصر طيب الطعام/ والأعرج لا يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض لا يأكل كما يأكل الصحيح، فاعزلوا لهم طعامهم على ناحية. وكانوا يرون أن عليهم في مؤاكلتهم جناحا. وكان الأعمى والأعرج والمريض يقولون : لعلنا نؤذيهم إذا أكلنا معهم، فاعتزلوا مؤاكلتهم. فأنزل الله : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ليس عليهم في ذلك ولا على الذين تأثموا من أمرهم عليهم في ذلك حرج.
وبعضهم يقول : كان قوم من أصحاب النبي يغزون ويخلفون على منازلهم من يحفظها، فكانوا يتأثمون أن يأكلوا منها شيئا، فرخص لهم أن يأكلوا منها. وقال بعضهم : كانوا يخلفون عليها الأعرج والأعمى والمريض والزمني الذين لا يخرجون في الغزو، فرخص لهم أن يأكلوا منها. ١
سعيد عن قتادة قال : منعت البيوت زمانا. كان الرجل لا يتضيف أحدا ولا يأكل في بيت غيره تأثما من ذلك.
قال يحيى : بلغني أن ذلك حين نزلت هذه الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ٢.
قال قتادة : فكان أول من رخص الله له الأعمى، والأعرج، والمريض. ثم رخص لعامة المؤمنين فقال : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكت مفاتحه ( ٦١ ) مما تخبون. ( ٦١ )( هكذا )
( أو صديقكم )( ٦١ ).
قال قتادة : فلو أكلت من بيت صديقك من غير مؤامرته لكان الله قد أحل لك ذلك٣.
قوله : أو ما ملكت مفاتحه ( ٦١ ).
ابن لهيعة عن زيد بن أبي حبيب قال : كان الناس يغزون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخلفون الضمناء على خزائنهم، فكانوا يتحرجون أن يصيبوا منها شيئا، فأحل الله لهم أن يصيبوا منها.
وقال بعضهم : هم المملوكون الذين هم خزنة على بيوت مواليهم.
وقال الحسن : أو ما ملكت مفاتحه خزانته مما كنتم عليه أمناء.
وحدثنا الحسن بن دينار عن الحسن أنه سأله رجل فقال : الرجل يدخل على الرجل، يعني صديقه، فيخرج الرجل من بيته ويرى الآخر الشيء من الطعام في البيت، أيأكل منه ؟ فقال : كل من طعام أخيك.
وقال الحسن بن دينار : كنا في بيت قتادة فأتينا ببسر، فأخذ رجل منا بسرات ثم قال : يا أبا الخطاب، إني قد أخذت من هذا البسر. فقال : هو لك حلال وإن لم تذكره لي لأنك مؤاخيّ.
قال يحيى : لم يذكر الله في هذه الآية بيت الابن، فرأيت أن النبي عليه السلام إنما قال : أنت ومالك لأبيك من هذه الآية، لأنه قال : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ولم يقل : أو بيوت أبنائكم، ثم ذكر ما بعد ذلك من القرابة حتى ذكر الصديق ولم يذكر الابن.
قوله : ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ( ٦١ ).
سعيد عن قتادة قال : كان بنو كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن محرما عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود٤ والحفل٥ وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه. وكان الرجل يتخذ الخيال إلى جنبه إذا لم يجد من يؤاكل ويشارب، فأنزل الله هذه الآية ٦.
قوله : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ( ٦١ ) يعني على أهل دينكم. تفسير السدي بعضكم على بعض.
تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ( ٦١ ) لكي تعقلوا.
سعيد عن قتادة قال :( إذ )٧ دخلت فسلم على أهلك فهم أحق من سلمت عليه.
فإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل : سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك. حدثنا أن الملائكة ترد عليه. وإن دخل على قوم سلم عليهم، وإذا خرج من عندهم سلم، وإن مر بهم أو لقيهم سلم عليهم، وإن كان رجلا واحدا، سلم عليهم، وقوله : فسلموا على أنفسكم على إخوانكم. وإذا دخل الرجل بيته سلم عليهم وإذا دخل المسجد قال : بسم الله سلام على رسول الله صلى الله على محمد وسلم، . اللهم اغفر لي ذنبي وافتح لي باب رحمتك. فإن كان مسجدا كثير الأهل سلم عليهم يسمع نفسه، وإن كانوا قليلا/ أسمعهم التسليم، وإن لم يكن فيه أحد قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام علينا من ربنا. وإن دخل بيتا غير مسكون مما قال الله : فيها متاع لكم ٨ وهي الفنادق ينزلها الرجل المسافر ويجعل فيها متاعه، فإذا دخل البيت قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. السلام علينا من ربنا.
خالد عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والراكب على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير".
قال يحيى يعني ويسلم راكب الدابة على راكب البعير ويسل الفارس على صاحب الحمار والبغل.
خالد عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله :" إذا سلم رجل على القوم فرد رجل منهم أجزأ عنهم، وإذا كانوا ناسا فسلم رجل منهم على المجلس أجزأ عنهم".
وكان الحسن يقول : كن النساء يسلمن على الرجال ولا يسلم الرجال على النساء. وكان ابن عمر يسلم على النساء.
وحدثني حيوة بن شريح عن زهرة بن معبد أنه سمع محمد بن المنكدر وأبا حازم يسلمان على النساء إذا مرا عليهن.
وحدثني خداش عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال : انتهى رسول الله صلى اله عليه وسلم إلينا ونحن غلمان، فسلم علينا.
وحدثنا قرة بن خالد عن الحسن قال : قال رسول الله عليه السلام :"إن السلام اسم من أسماء الله".
وحدثني الخليل بن مرة أن ابن مسعود قال : السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم، فإن المرء المسلم إذا مر بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كانت له عليهم فضيلة درجة بأنه ذكرهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم وأطيب : الملائكة.
وحدثني الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة عن رجل أنه كان يمشي مع أبي هريرة قال : فمررنا بقوم فسلمنا عليهم قال : فلا أدري أشغلهم الحديث أو ما منعهم من أن يردوا السلام. فقال أبو هريرة بيده : سلام ربي والملائكة أحب إلي، سلام ربي والملائكة أحب إلي٩.
وحدثني المبارك والحسن عن الحسن قال : قال رسول الله :" للمسلم على أخيه من المعروف ست خصال يسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، ويجيبه إذا دعاه ويعوده إذا مرض، وينصح له إذا تغيب عنه، ويشهد جنازته إذا مات"١٠.
وحدثني عبد الرحمن بن يزيد عن مكحول قال : بينما رسول الله جالس إذ دخل رجل فقال : السلام عليكم. فقال رسول الله : وعليكم السلام، عشر، أي عشر حسنات. ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله، فقال رسول الله : وعليكم السلام ورحمة الله، عشرون حسنة. ثم جاء آخر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال رسول الله : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثلاثون حسنة. ثم قال : هكذا يتفاضل الناس : من قعد فليسلم، ومن قام فليسلم. قال : ثم قام رجل فلم يسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أسرع ما نسي هذا".
وحدثني حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا لقيتم اليهودي أو النصراني فلا تبدأوه بالسلام. وإذا لقيتموه في طريق فاضطروه إلى أضيقه.
سعيد عن قتادة أن رجلا من اليهودي مر على النبي وهو في نفر من أصحابه فقال : السلام عليكم. فقال رسول الله وعليكم السلام. فجاء جبريل إلى النبي فأخبره أنه قال : السلام عليكم. فقال رسول الله : إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا : وعليك ما قلت.
حماد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول اله صلى الله عليه وسلم :" ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام وآمين".
٢ ـ النساء، ٢٩..
٣ ـ في الطبري، ١٨/١٧١: عن معمر عن قتادة، فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم يكن بذلك بأس..
٤ ـ الذود: القطيع من الإبل ولا يكون إلا من الإناث. لسان العرب، مادة: ذود..
٥ ـ الحفل: حفل القوم اجتمعوا واحتشدوا. الحفل: الجمع، وحفل اللبن في الضرع حفلا اجتمع..
٦ ـ انظر الرواية عن معمر عن قتادة في الطبري، ١٨/١٧٢..
٧ ـ هكذا في ع: ولعلها إذا، وإن. انظر ابن محكم، ٣/١٩٥..
٨ ـ النور، ٢٩..
٩ ـ في طرة ع: ذكر السلام..
١٠ ــفي طرة ع: حق المسلم على أخيه..
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي بالولاء، من تيم ربيعة، البصري ثم الإفريقي القيرواني