ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون [ النور : ٦١ ].
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أن للماليك والصبيان الدخول في البيوت في غير العورات الثلاث بلا استئذان ولا إذن من أهل البيت، ذكر هنا أنه لا حرج على أهل هذه الأعذار الثلاثة في تركهم للجهاد وما يشبهه، وذلك يستلزم عدم الاستئذان منه ( ص ) فلهم القعود من غير استئذان ولا إذن، كما لا حرج عمن ذكروا بعدهم في الأكل من البيوت المذكورة في الآية.
قال صاحب الكشاف : والكلام على هذا التفسير صحيح لالتقاء الطائفتين في أن كلا منهما منفي عنه الحرج، ومثاله أن يستفتي مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فتقول : ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر اه.
قال الحسن : أنزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله عنه الجهاد وكان أعمى.
وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن عمرو، وكان قد خرج مع رسول الله ( ص ) غازيا وخلف مالك بن يزيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك.
تفسير المفردات :
الحرج لغة : الضيق، ويراد به في الدين الإثم. ما ملكتم مفاتحه : أي ما كان تحت تصرفكم من بستان أو ماشية بطريق الوكالة أو الحفظ. والصديق : يطلق على الواحد والجمع كالخليط والعدو. جميعا : أي مجتمعين. أشتاتا : أي متفرقين، واحدهم شتيت. على أنفسكم : أي على أهل البيوت. طيبة : أي تطيب بها نفس المستمع.
الإيضاح :
ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج أي ليس على هؤلاء الثلاثة إثم في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم. قاله عطاء وزيد بن أسلم.
ونحو الآية قوله في سورة براءة : ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله [ التوبة : ٩١ ].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من الحرج المنفي في الآية الحرج في الأكل ؛ ذلك أنه لما نزل قوله تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [ البقرة : ١٨٨ ] تحرج المسلمون عن مؤاكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لانه لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام. فأنزل الله هذه الآية. والمعنى على هذه الرواية : ليس في مؤاكلة الأعمى ولا ما بعده حرج.
ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أي ولا حرج عليكم ان تأكلوا من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم، ويشمل ذلك بيوت الأولاد، لأن بيت الولد كبيته ؛ لقوله ( ص ) " أنت ومالك لأبيك " وقوله :" إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه ".
و فائدة ذكر وقوله : على أنفسكم الإشارة إلى أن الأكل المذكور مع أنه لا حرج فيه لا يخل بقدر من له شأن، فقد كثر إقحام " النفس " في ذوي القدر كقوله : كتب ربكم على نفسه الرحمة [ لأنعام : ٥٤ ] ولم يقل : كتب ربكم عليه الرحمة، وقوله في الحديث القدسي :" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي " ولم يقل : حرمت الظلم علي.
وذكر هذا الحكم وهو معلوم، ليعطف عليه غيره في اللفظ، وليساويه ما بعده في الحكم.
أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم لما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب.
أو ما ملكتم مفاتحه عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، فلا حرج عليه أن يأكل من ثمر الضيعة ويشرب من لبن الماشية، ولكن لا يحمل ولا يدخر، وهذا إذا لم يجعل له أجرا على ذلك، فإن جعل له أجرا فلا يحل له أكل شيء منها.
أو صديقكم أي أو بيوت أصدقائكم الذين يصدقونكم المودة و تصدقونهم، هذا إذا علم رضاهم بذلك بالإذن أو بشاهد الحال، ولا فرق بينهم وبين غيرهم إذا وجد الإذن.
قال ابن زيد : هذا شيء قد انقطع. إنما كان في أوله ولم يكن لهم ستور أبواب، أو كانت الستور مرخاة ؛ فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، وربما وجد الطعام وهو جائع، فسوغ له أن يأكل منه، ثم قال : ذهب ذلك اليوم، البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا اه.
وعلى هذا فالمعنى يجوز الأكل من بيوت هؤلاء وإن لم يحضروا وإذا علم رضاهم به بصريح اللفظ أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة.
وإنما خص هؤلاء بالذكر، لأنهم اعتادوا التبسط بينهم، والرضا فيهم محقق غالبا.
وعن جعفر الصادق رضي الله عنه : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله تعالى من الأنس والثقة والانبساط ورفع الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ.
وقيل لأفلاطون : من أحب إليك، أخوك أم صديقك ؟ فقال : لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي، ولكن أني هو ؟ فقد أثر عن هشام بن عبد الملك أنه قال : نلت ما نلت حتى الخلافة، وأعوزني صديق لا أحتشم منه.
ثم استأنف سبحانه حكما آخر من نوع ما قبله فقال :
ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا أي لا حرج عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، روي عن ابن عباس والضحاك وقتادة أنها نزلت في بني ليث بن عمرو بن كنانة تحرجوا أن يأكلوا طعامهم متفرقين، وكان الرجل منهم يمكث طوال يومه لا يأكل حتى يجد ضيفا يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئا، وربما قعد الرجل منهم والطعام بين يديه لا يتناوله إلى الرواح، وقد تكون معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، وفي مثل هذا يقول حاتم :
| إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له | أكيلا فإني لست آكله وحدي |
ثم شرع سبحانه يبين ما ينبغي رعايته حين دخول البيوت بعد أن ذكر الرخصة فيه فقال :
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت فليسلم بعضكم على بعض.
وفي التعبير عن أهل تلك البيوتات ب أنفسكم إيماء إلى السبب الذي اقتضى إباحة الأكل من تلك البيوت، وأنه إنما كان ؛ لأن الداخل فيها كأنه داخل في بيته، لما بينهما من قرابة أو نحوها.
تحية من عند الله مباركة طيبة أي حيوا تحية ثابتة بأمره تعالى مشروعة من لدنه، يرجى بها زيادة الخير والثواب، ويطيب بها قلب المستمع.
وعن جابر بن عبد الله قال :" إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة " أخرجه البخاري وغيره.
روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال : أوصاني النبي ( ص ) بخمس خصال قال :" يا أنس أسبع الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت – يعني بيتك – فسلم على أهلك يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس، ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة ".
كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون أي هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وعرفكم سبيل الدخول على من تدخلون عليه، لكي تفقهوا أمره ونهيه وأدبه، وبذا تفوزون بسعادة الدارين، ويكون لكم المقام المحمود عند ربكم.
تفسير المراغي
المراغي