ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

وإنما يؤمر بذلك على وجه التعليم، وليعتاده ويتمرن عليه، فيكون أسهل عليه بعد البلوغ، وأقل نفورا منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير، وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر، لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً قيل في التفسير: أدبوهم وعلّموهم «١».
٥- الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبّه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين:
أحدهما- بقوله تعالى: ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ وهي علة طلب الاستئذان.
والثاني- بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة، وبين ما عداها، وهو علة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وما عداها يختلف عنها، كما تقدم بيانه.
إباحة الأكل من بيوت معينة دون إذن
[سورة النور (٢٤) : آية ٦١]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)

(١) أحكام القرآن للجصاص: ٣/ ٣٣٣

صفحة رقم 299

الإعراب:
جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً حال من واو تَأْكُلُوا.
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ منصوب على المصدر لأن قوله: فَسَلِّمُوا معناه: فحيّوا.
البلاغة:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ: إطناب بتكرار لفظ الحرج، تأكيدا للحكم شرعا.
المفردات اللغوية:
حَرَجٌ الحرج لغة: الضيق، ويراد به شرعا الإثم أو الذنب. ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أي ما كنتم فيه وكلاء عن غيركم أو حفظة له. أَوْ صَدِيقِكُمْ الصديق: يطلق على الواحد والجمع، كالخليط والعدو، وهو من صدقكم في مودته. ومعنى الآية: يجوز الأكل من بيوت المذكورين، وإن لم يحضروا، إذا علم رضاهم به. جَمِيعاً أي مجتمعين. أَشْتاتاً متفرقين، جمع شتّ، أي متفرق، وشتى: جمع شتيت.
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً لكم لا أهل بها أو من هذه البيوت فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي على أهل البيوت، أو قولوا: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» فإن الملائكة تردّ عليكم، وإن كان بها أهل فسلموا عليهم. تَحِيَّةً مصدر حيّا. مُبارَكَةً كثيرة الخير. طَيِّبَةً تطيب بها نفس المستمع. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ أي مثل ذلك البيان يبين لكم معالم دينكم، كرره مرة ثالثة لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام السابقة المختتمة به. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تفهموا ذلك، وتعقلوا الحق والخير في الأمور.
سبب النزول:
اختلف الرواة في سبب نزول هذه الآية، أذكر ثلاث روايات منها.

صفحة رقم 300

الأولى- في نفي الحرج عن الأكل من بيوت معينة:
قال سعيد بن المسيّب: أنزلت هذه الآية في أناس كانوا إذا خرجوا مع النبي صلّى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والأعرج والمريض وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون أن يأكلوا منها ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ.. وهذا ما اختاره ابن جرير.
والآية وإن نزلت في تحرج أصحاب الأعذار هؤلاء من الأكل في بيوت من خلفوهم على بيوتهم، إلا أنها ذكرت حكما عاما لكل الناس. ومعنى نفي الحرج من أكل الناس في بيوتهم إظهار التسوية بين أكلهم من بيوتهم وأكلهم من بيوت أقاربهم وموكليهم وأصدقائهم.
الثانية- رفع الإثم عن المعذورين في التخلف عن الجهاد:
قال الحسن البصري: نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله عنه الجهاد، وكان أعمى.
وقال أبو حيان: إن الآية تنفي الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في القعود عن الجهاد، وتنفي الحرج عن المخاطبين في أن يأكلوا من بيوت الذين ذكرهم الله. والجمع بينهما في مقام الإفتاء والبيان مقبول غير مستغرب. ووجه اتصال الآية حينئذ بما قبلها أنه تعالى بعد أن ذكر حكم الاستئذان، بيّن أن تخلف أصحاب الأعذار عن الجهاد لا يحتاج إلى إذن النبي صلّى الله عليه وسلم.
الثالثة- نفي الحرج عن الناس في مؤاكلة المرضى
قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أنزل الله تبارك وتعالى: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعرج،

صفحة رقم 301

وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهى الله تعالى عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والمريض لا يستوفي الطعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال سعيد بن جبير والضحاك: كان العرجان والعميان يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء لأن الناس يتقذرونهم، ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقذرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأيا ما كان سبب نزول الآية فإنها تبيح الأكل من هذه البيوت، بشرط أن يعلم الآكل رضا صاحب المال بإذن صريح أو قرينة، وخصصت هذه البيوت بالذكر لتبسط الناس فيما بينهم عادة في الأكل من بيوت أقاربهم ووكلائهم وأصدقائهم.
سبب نزول آية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً:
قال قتادة والضحاك: نزلت في حيّ من كنانة يقال لهم: بنو ليث بن عمرو، وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل، والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح، تحرّجا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا جميعا متحلقين أو أشتاتا متفرقين.
والكلام متصل بما قبله، فحين نفى الحرج عنهم في الأكل نفسه، أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل، فلا جناح في الأكل من هذه البيوت، سواء

صفحة رقم 302

مع أصحابها أو بدونهم. وقيل: الكلام مستقل عما قبله لبيان حكم آخر، مماثل له، وهو أن الأكل كما يجوز منفردا، يجوز مع الضيف.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى حكم دخول المماليك والصبيان إلى البيوت في غير العورات الثلاث دون استئذان، ذكر هنا حكم تخلف أصحاب الأعذار عن الجهاد من غير استئذان، وحكم الأكل من البيوت المذكورة في الآية من غير إذن صريح إذا علم رضا أصحابها.
التفسير والبيان:
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ، وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ أي ليس على هؤلاء الثلاثة إثم ولا ذنب في ترك الجهاد لضعفهم وعجزهم، كما نقل عن عطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكما قال تعالى في سورة براءة: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [٩١- ٩٢].
وذكر الفخر الرازي أن الأكثرين قالوا: المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله.
والظاهر لي أن الآية في أمر يتعلق بنظام الحياة في الأسرة، كالآيات السابقة في الاستئذان وتخفيف العجائز من الألبسة الظاهرة، وأنها تريد أن تجمع بين أفراد الأسرة الأصحاء وأصحاب الأعذار في تناول الطعام على مائدة واحدة، وترفع الكلفة والمشقة في الأكل من البيوت الخاصة أو بيوت الأقارب والأصدقاء،

صفحة رقم 303

دون إذن صريح، وأن الحكم في البيت الخاص كبيت القريب والصديق على حدّ سواء، وذكر الأكل من البيوت ليساوي ما بعده في الحكم ويعطفه عليه، فهو أدب اجتماعي من أدب الإسلام الرفيع.
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي ولا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم الخاصة، ويشمل ذلك بيوت الأولاد لأنه وإن لم ينص عليهم، فهم كبيت الإنسان لأن بيت الولد كبيت الوالد، ومال الولد بمنزلة مال أبيه.
روى الإمام أحمد في المسند وأصحاب السنن عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أنت ومالك لأبيك»
وقال أيضا فيما أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة: «إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم».
وقوله: عَلى أَنْفُسِكُمْ للإشارة إلى أن الأكل مع أصحاب الأعذار لا يخل بقدر الأصحاء أهل الشأن، وأن التواضع مطلوب، والترفع عن مؤاكلتهم منبوذ ممجوج شرعا ودينا، وفي ذلك توسعة على الناس، وبيان ما تقتضيه أواصر المحبة والصلة والود بين الأفراد.
أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أي أن الله تعالى أباح لنا الأكل من أحد عشر موضعا بلا إذن صريح، حيث علمنا رضاه وسروره، وأنه لا يبخل ولا يتألم، فإن كان يتضجر أو يتألف أو يتألم فلا نأكل من طعامه في غيبته، ويطلب التعفف حينئذ. وتلك المواضع هي:
الأكل من بيوتنا ومنها بيوت أولادنا كما بينا، وبيوت آبائنا وأجدادنا، وبيوت أمهاتنا وجداتنا، وبيوت إخواننا، وبيوت أخواتنا، وبيوت أعمامنا، وبيوت عماتنا، وبيوت أخوالنا، وبيوت خالاتنا، وما ملكنا مفاتحه بالوكالة عن أصحاب البيوت، وبيوت أصدقائنا إذا عرفنا أنه راض ومسرور بما نفعل،

صفحة رقم 304

وإلا فلا يجوز
لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»
وحديث الشيخين عن ابن عمر عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «لا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلا بإذنه».
وهؤلاء المذكورون من الأقارب تطيب نفوسهم عادة وطبعا بأكل أحد من قراباتهم عندهم.
أما المقصود بقوله: ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ فيراد به كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته. وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه. وهذا مأذون به ضمنا من الموكل، ولكن يأكل ولا يحمل ولا يدّخر، إذا لم يكن له أجر على عمله، فإن كان مستأجرا بأجر فلا يأكل.
وأما بيوت الأصدقاء الذين ترتفع الكلفة بينهم، ويصفو الودّ معهم، فيؤكل منها إذا علم رضاهم صراحة أو بالقرائن. روي عن الحسن البصري أنه دخل داره، وإذا حلقة من أصدقائه، وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة، وهم مكبّون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك، وقال: هكذا وجدناهم، أي أكابر الصحابة. وكذلك يقال في دخول بيوت الأصدقاء لا بدّ فيه من إذن صريح أو قرينة.
واحتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى لهم بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزا منهم، أي بسبب وجود شبهة الإذن. والحقيقة أنه لا بدّ من الإذن الصريح، أو الضمني الذي يعرف بالقرائن.
ثم ذكر الله تعالى حكم الأكل الجماعي والانفرادي فقال:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً أي يباح ولا إثم عليكم أن

صفحة رقم 305

تأكلوا كيف شئتم مجتمعين أو متفرقين.
وهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ومع الجماعة، لكن الأكل مع الجماعة أبرك وأفضل
روى أحمد وأبو داود وابن ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلّى الله عليه وسلم: إنا نأكل ولا نشبع، قال:
«لعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه».
وروى ابن ماجه أيضا عن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «كلوا جميعا، ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة».
ثم ذكر الله تعالى حكم تحية الداخل على بيته فقال:
فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي فليسلّم بعضكم على بعض، أو فإذا دخلتم بيتا من هذه البيوت لتأكلوا فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة. وعبر بقوله: أَنْفُسِكُمْ للدلالة على أنهم منكم بمنزلة أنفسكم، فكأنكم حين تسلمون عليهم تسلمون على أنفسكم.
تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً أي حيوا تحية ثابتة بأمر الله، مشروعة من لدنه، يرجى منها زيادة الخير والثواب، ويطيب بها قلب المستمع لأن معنى التحية والتسليم طلب السلامة والحياة للمسلّم عليه، ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن ترجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق، وتستجلب فيها مودة المسلم.
قال قتادة: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك.
وكذلك قال مجاهد وابن عباس رضي الله عنهم.
وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال: «إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة».

صفحة رقم 306

وهذا الحكم وهو التحية على الأهل، وإن كان معلوما من الآية المتقدمة:
حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها إلا أنه أعيد هنا لطلبه بين الأقارب، حتى لا يظن أن علاقة القرابة لا تحتاج إلى تبادل السلام والتحية، فذلك من الآداب العامة والحقوق الإسلامية التي لا يصح إهمالها. قال الضحاك: في السلام عشر حسنات، ومع الرحمة عشرون، ومع البركات ثلاثون.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، وكما بيّن لكم ما في هذه السورة أيضا من أحكام وشرائع بيانا شافيا، لكي تتدبروها وتتفهموا عن الله أمره ونهيه وآدابه، فتفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآية على ما يأتي:
١- لا إثم ولا حرج على أصحاب الأعذار في التخلف عن الجهاد، وهم الأعمى والأعرج والمريض، أي أن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي للتكليف به، وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة وأركانها، والجهاد ونحو ذلك.
ولا مانع من مؤاكلة هؤلاء ذوي الأعذار، وترك عادة تخصيصهم بطعام خاص حذرا من استقذارهم والترفع عن مجالستهم.
٢- أباح الله للناس الأكل من مواضع أحد عشر دون استئذان صريح إذا علم رضا صاحب الطعام لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب نفوسهم في الأغلب بأكل من يدخل عليهم، والعادة كالإذن في ذلك، لذا خصهم الله تعالى بالذكر،

صفحة رقم 307

وافتتحها تعالى بالأكل من البيوت الخاصة بأصحابها للإشارة إلى التسوية بينها وبين تلك المواضع العشرة الباقية.
وأسباب رفع الحرج في الأكل من هذه المواضع إذن: إما الملك الخاص وإما القرابة وإما الوكالة والاستئجار، وإما الصداقة. والقرابة، وكذا الملك الخاص للبيوت: تشمل بيوت الأبناء والآباء والأمهات والإخوان والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات. والوكالة مفهومة من قوله: أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ فإنه يشمل عند جمهور المفسرين الوكلاء والعبيد والأجراء. والصداقة تبيح الأكل والشرب من بيوت الأصدقاء بغير إذن إذا علم أن نفس صاحب الشيء تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة. والصديق: من يصدقك في مودّته وتصدقه في مودتك، ولكن لا يجوز الادخار والحمل، واتخاذ ذلك وقاية لماله، ولو كان المتناول تافها يسيرا. وكان صلّى الله عليه وسلم يدخل حائط (بستان) أبي طلحة المسمى ب (بيرحا) ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه.
وبناء عليه، لا تجوز في رأي المالكية شهادة الصديق لصديقه، ولا شهادة القريب لقريبه.
٣- يباح الأكل منفردا أو جماعة، وإن اختلفت أحوال الجماعة في الأكل كمّا وكيفا، فللإنسان أن يأكل وحده، أو مع القريب أو الصديق أو الجار أو أي شخص مسلم أو كافر. وقد نزلت الآية كما عرفنا في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده، ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله، ومنه قول بعض الشعراء:

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا، فإني لست آكله وحدي
أو أنها نزلت في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه، أو في قوم تحرّجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطباع في القزازة.

صفحة رقم 308

قال ابن عطية: وكانت هذه السيرة موروثة عند العرب عن إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فإنه كان لا يأكل وحده. وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه فنزلت الآية مبينة سنّة الأكل، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرّما، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وإن إحضار الأكيل لحسن، ولكن بألا يحرم الانفراد.
٤- يسن السلام عند الدخول على الأهل والأقارب في البيوت المسكونة، وكذا غير المسكونة، فيسلّم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وكذا المساجد، فيسلّم على من كان فيها، فإن لم يكن في المساجد أحد، فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله صلّى الله عليه وسلم. قال إبراهيم النخعي والحسن البصري عن آية: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً أراد المساجد.
قال ابن العربي: «القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص» وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان لغيره أو لنفسه، فإذا دخل الإنسان بيتا لغيره استأذن كما تقدم، فإذا دخل بيتا لنفسه سلّم، كما ورد في الخبر المتقدم عن ابن عمر، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإن كان فيه أهله وخدمه فليقل: السلام عليكم. وإن كان مسجدا فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
وقال القشيري في قوله: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً: والأوجه أن يقال: إن هذا عام في دخول كل بيت، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال: السلام على من اتّبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

صفحة رقم 309

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية