وانتقل كتاب الله إلى موضوع له علاقة وثيقة بالحياة الاجتماعية عموما والحياة العائلية خصوصا، ألا وهو موضوع آداب المائدة وحسن الضيافة بالنسبة للأقارب والأصدقاء، ومهد له بالحديث عن ذوي العاهات والأعذار، الذين لا ينبغي ان يكونوا في المجتمع الإسلامي أقل من غيرهم في التقدير والاعتبار، إذ لا يصح عزلهم عن الحياة الاجتماعية بالمرة، لما يجلبه لهم ذلك من الشعور بالغضاضة والمرارة والحسرة، فقال تعالى : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ، ثم بين البيوت التي تطيب أنفس أهلها بأكل من يدخل عليهم، لزيارتهم، وصلة الرحم معهم، والسؤال عن أحوالهم، لما بينهم من عطف متبادل ودم مشترك، وهي بيوت الأخوات، وبيوت الأمهات، وبيوت الإخوان، وبيوت الأخوات، وبيوت الأعمام، وبيوت العمات، وبيوت الأخوال، وبيوت الخالات، وإلى هذه البيوت أشار قوله تعالى هنا : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم ، ويضاف إلى الأقرباء الذين تطيب نفوس أقربائهم بضيافتهم والأكل من طعامهم من لهم مع الشخص رابطة عمل وخدمة، أو علاقة نيابة وتكليف، فهؤلاء يجوز لهم ان يأكلوا مما تحت أيديهم، مما هو في ملك مخدوميهم، إذا لم يرتبوا لهم أجرة على عملهم، وختم كتاب الله هذه السلسلة بالأصدقاء الصادقين الذين تعتبر بيوتهم بمنزلة بيوت الأقرباء، فقال تعالى : أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم . وإذا كانت بيوت الأولاد لم تذكر صراحة في هذه الآية فإن قوله تعالى في بدايتها : ولا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوتكم يتضمنها من باب أولى وأحرى، لأن سبب الرخصة الذي هو القرابة، يتحقق في الولد أكثر من بقية القرابات الأخرى.
ونبه كتاب الله إلى أنه لا حرج على العيال والأقرباء، والضيوف والأصدقاء في أن يأكلوا مجتمعين أو متفرقين حسب الظروف، وإن كان الاجتماع على مائدة واحدة أبرك وآنس، وأجلب للألفة، وذلك قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ، وحض الزائرين على البدء بتحية أهل البيت الذين جاؤوا لزيارتهم والسلام عليهم، فقال تعالى : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم يعني إخوانكم الذين هم بمنزلة أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ، قال جار الله الزمخشري : " ووصفها بالبركة والطيب، لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق ".
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري