ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ

قوله :«يَوْمَ يَرَونَ » فيه أوجه :
أحدها : أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله :«لاَ بُشْرَى » أي : يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ(١).
الثاني(٢) : أنه منصوب ب ( اذكر )، فيكون مفعولاً به(٣).
الثالث : أنَّه منصوب ب ( يعذبون ) مقدراً(٤).
ولا يجوز أن يعمل فيه نفس «البُشْرَى » لوجهين :
أحدهما : أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله(٥).
والثاني(٦) : أنَّها منفية ب ( لا )، ( وما بعد ( لا ) )(٧) لا(٨) يعمل فيما قبلها(٩).
قوله :«لاَ بُشْرَى » هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي : يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من
«المَلاَئِكَة »، وهو نظير التقدير في قوله : وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ [ الرعد : ٢٣ ] إلى قوله : سَلاَمٌ عَلَيْكُم [ الرعد : ٢٤ ].
قال أبو حيان : واحتمل(١٠) «بُشْرَى » أن يكون مبنيًّا مع «لاَ »، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع «لا » احتمل(١١) أن يكون
«يَوْمَئِذٍ » خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ » خبراً(١٢) بعد خبر، أو نعتاً ل «بُشْرَى »، أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون «يَوْمَئِذٍ » صفة ل «بُشْرَى »(١٣) والخبر «لِلْمُجْرِمِينَ »، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس «لاَ » أو(١٤) الخبر للمبتدإ الذي هو مجموع «لاَ » وما بني معها(١٥).
وإن كان في نية التنوين وهو معرب، ( جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ »، و «لِلْمُجْرِمِينَ » خبرين، (١٦) وجاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ » خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ » صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس «لاَ » بإجماع(١٧). قال شهاب الدين : قوله(١٨) : واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلاَّ على قول أبي إسحاق(١٩)، وهو أنه يرى أنَّ اسم ( لاَ ) النافية للجنس معربٌ(٢٠)، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد :
أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً(٢١) ***. . .
ويتأوله البصريون على إضمار : ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو(٢٢) : أن يجعل «بُشْرَى » عاملة في «يَوْمَئِذٍ »(٢٣) أو في «لِلْمُجْرِمِينَ »، فيصير من قبيل المطوَّل(٢٤)، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء رحمه الله.
ويجوز أن يكون «بُشْرَى » معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي : لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى :( لاَ مَرْحَباً ( بِهِمْ )(٢٥) (٢٦) [ ص : ٥٩ ]، ( و )(٢٧) لا أهلاً ولا سهلاً، إلاَّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله : جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ » و «لِلْمُجْرِمِينَ » خبرين(٢٨)، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا يكون [ ل ( لا ) ](٢٩) حينئذ خبر(٣٠)، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ(٣١).
قوله :«يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ » قد تقدَّم في «يَوْمَئِذٍ » أوجه : وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «بُشْرَى »، قال : إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع ( لا )، ويكون الخبر «لِلْمُجْرِمِينَ »(٣٢). وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون «يَوْمَئِذٍ » تكريراً ( ل «يَوْم )(٣٣) يَرَوْنَ »(٣٤) وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير(٣٥) التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال : لأنَّ «يَوْمَ » منصوب بما تقدم ذكره من ( اذكر ) ( أو من )(٣٦) ( يَعْدَمُونَ ) البشرى، وما بعد ( لاَ ) العاملة في الاسم لا يعمل فيه(٣٧) ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه(٣٨) يكون العامل فيه ما قبل ( لاَ )(٣٩). وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من «المَلاَئِكَةِ »، و(٤٠) «الملائكة » معمولةٌ ل «يَرَوْنَ »، و «يَرَوْنَ » معمول ل «يَوْمَ » خُصِّصَا(٤١) بالإضافة، ف ( لا )(٤٢) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا(٤٣) مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها.
والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و «لِلْمُجْرِمِينَ » من وضع الظاهر موضع المضمر(٤٤) شهادةً عليهم بذلك. والضمير في «يقُولُونَ » يجوز عوده للكفار(٤٥) ( أو للملائكة(٤٦) )(٤٧). و «حِجْراً » من المصادر الملتزم إضمار(٤٨) ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه : ويقول الرجل للرجل : أتفعل كذا فيقول : حِجْراً(٤٩) وهي من حجره : إذا منعه، لأنَّ المستعيذ طالب(٥٠) من الله أن يمنع المكروه ولا(٥١) يلحقه(٥٢)، وكان المعنى : أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها(٥٣) وهو لغة فيه.
قال الزمخشري : ومجيئه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرّف فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز(٥٤) :
قَالَتْ(٥٥) وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ ***. . .
عَوْذٌ بِرَبِّي(٥٦) مِنْكُم وَحُجْرُ(٥٧) ***. . .
وهذا(٥٨) الذي أنشده الزمخشري يقتضي(٥٩) تصرُّف «حِجْراً ». وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال : وقد قرئ بها(٦٠). فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ.
و «مَحْجُوراً » صفة مؤكدة للمعنى كقولهم : ذيل ذائل(٦١)، والذيل(٦٢) : الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ : العقل، لأنه(٦٣) يمنع صاحبه(٦٤).

فصل


قوله(٦٥) : يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون : يريد يوم(٦٦) القيامة(٦٧) لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ للكافرين. قالت المعتزلة : الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله :«لاَ بُشْرَى. . . لِلْمُجْرِمِينَ » نكرة في سياق النفي فتعمّ جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية(٦٨) قال : بل(٦٩) له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله :«لاَ بُشْرَى » يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً(٧٠).

فصل


اختلفوا في القائلين «حِجْراً مَحْجُوراً » : فقال ابن جريج : كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا :«حِجْراً مَحْجُوراً »، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة(٧١).
قال مجاهد : يعني : عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة(٧٢).
وقال ابن عباس : تقول الملائكة : حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال : لا إله إلا الله(٧٣). قال مقاتل : إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً »(٧٤) أي : حرام محرم عليكم أن تكون(٧٥) لكم البشرى(٧٦).
١ انظر الكشاف ٣/٩٤، البيان ٢/٢٠٣، البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٢ في ب: والثاني..
٣ انظر الكشاف ٣/٩٤، التبيان ٢/٩٨٣، البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٤ انظر التبيان ٢/٩٨٣..
٥ انظر التبيان ٢/٩٨٣، البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٦ في ب: والثالث..
٧ ما بين القوسين في ب: وما بعدها..
٨ لا: سقط من ب..
٩ انظر البيان ٢/٢٠٣، التبيان ٢/٩٨٣، البحر المحيط ٦/٤٩٢..
١٠ في ب: فاحتمل..
١١ في ب: فاحتمل..
١٢ في الأصل خبر بالرفع..
١٣ في ب: للبشرى. وهو تحريف..
١٤ في ب: و. وهو تحريف..
١٥ انظر معاني القرآن ١/١٧٤، والهمع ١/١٤٦..
١٦ ما بين القوسين سقط من ب..
١٧ البحر المحيط ٦/٤٩٢..
١٨ قوله: سقط من ب..
١٩ هو أبو إسحاق الزجاج..
٢٠ فالفتحة عنده إعراب لا بناء. انظر شرح الكافية ١/١٥٥..
٢١ صدر بيت من الوافر، قاله عمرو بن قعاس أو قنعاس المرادي، وعجزه:
يدل على محصلة تبيت ***...
وقد تقدم..

٢٢ في الأصل: وهي..
٢٣ على أن تكون "بشرى" مع (لا). انظر البيان ٢/٢٠٣، التبيان ٢/٩٨٣..
٢٤ المراد به الشبيه بالمضاف، وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه، مثل يا طالعا جبلا. فهذا معرب لشبهه بالمضاف..
٢٥ [ص: ٥٩]. والاستشهاد بالآية على أن "مرحبا" منصوب بفعل مقدر، والتقدير: لا يسمعون مرحبا..
٢٦ ما بين القوسين سقط من ب..
٢٧ تكملة ليست في المخطوط..
٢٨ في ب: خبر. وانظر البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٢٩ ما بين المعقوفين سقط من ب..
٣٠ في النسختين: خبرا. والصواب ما أثبته..
٣١ الدر المصون ٥/١٣٣..
٣٢ التبيان ٢/٩٨٣ – ٩٨٤..
٣٣ ما بين القوسين في ب: اليوم. وهو تحريف..
٣٤ انظر الكشاف ٣/٩٤، التبيان ٢/٩٨٣..
٣٥ في ب: التكرار..
٣٦ ما بين القوسين في ب: أمن. وهو تحريف..
٣٧ في ب: فيما..
٣٨ في ب: ما ذكره. وفي البحر المحيط: وعلى تقديره يكون.....
٣٩ البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٤٠ في ب: ف..
٤١ في ب: خصصنا..
٤٢ ما بين القوسين في ب: كلام..
٤٣ في ب: فلا..
٤٤ انظر الكشاف ٣/٩٤..
٤٥ واستظهره أبو حيان. انظر البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٤٦ انظر البحر المحيط ٦/٤٩٣..
٤٧ في النسختين: وللملائكة. والصواب ما أثبته..
٤٨ إضمار: سقط من ب..
٤٩ انظر الكتاب ١/٣٢٦..
٥٠ في ب: يطلب..
٥١ في الأصل: لا..
٥٢ انظر البحر المحيط ٦/٤٩٢..
٥٣ انظر المختصر (١٠٤)، وتفسير ابن عطية ١١/٢٦، البحر المحيط ٦/٤٩٢ – ٤٩٣ الإتحاف (٣٢٨)..
٥٤ في ب: الزجالة..
٥٥ في ب: قال..
٥٦ في ب: بر. وهو تحريف..
٥٧ انظر الكشاف ٣/٩٤. رجز قاله العجاج. وهو في ديوانه (٣١٧)، الكشاف ٣/٩٤، اللسان (حجر، عوذ) البحر المحيط ٦/٤٩٢، شرح شواهد الكشاف (٥٣) حيدة: المرة من حاد عن الشيء يحيد حيدا وحيدانا ومحيدا وحيدودة: مال عنه وعدل. الذعر: الخوف والفزع. عوذ: مصدر، أي: أعوذ بالله منك، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره: أمري. الحجر: بالضم المنع، وهو موطن الشاهد حيث جاء مصدرا مضموم الفاء..
٥٨ في ب: وهو..
٥٩ في ب: فيقتضي..
٦٠ التبيان ٢/٩٨٤..
٦١ في ب: أذائل. وهو تحريف..
٦٢ في ب: والذائل. وهو تحريف. والذيل: الهوان من ذال الشيء يذيل: هان. اللسان (ذيل)..
٦٣ في ب: لا..
٦٤ اللسان (حجر)..
٦٥ قوله: سقط من الأصل..
٦٦ يوم: سقط من ب..
٦٧ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٠..
٦٨ في ب: القضية أن قوله..
٦٩ بل: تكملة من الفخر الرازي..
٧٠ انظر الفخر الرازي ٢٤/٧٠ – ٧١..
٧١ انظر البغوي ٦/١٦٨..
٧٢ المرجع السابق..
٧٣ المرجع السابق..
٧٤ فعلى قول ابن جريج ومجاهد الضمير في "يقولون" على الكفار، وعلى قول ابن عباس ومقاتل يعود على الملائكة..
٧٥ في ب: يكونوا..
٧٦ انظر البغوي ٦/١٦٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية