بالفقر تسلية له، كالآية قبلها إذ نزلت في الذين عيّروه بالأكل والمشي «أَتَصْبِرُونَ» على هذه الحالة أيها المؤمنون من التعيير بالفقر وغيره، وعلى الأذى الواقع بكم من الكفرة والشدة التي أنتم فيها أم لا؟ وفي هذا الاستفهام معنى التهديد على عدم الصبر كما لا يخفى، فاصبروا على هذا كله ليزداد أجركم وتقوى عزيمتكم، وإلا فيزداد همكم وحزنكم. هذا على جعل الخطاب للمؤمنين كافة، أما إذا كان لحضرة الرسول فقط فيكون الخطاب على جهة التعظيم، لأنه جاء بلفظ الجمع وهو أولى بمن يعظمه ربه، ويكون المعنى: جعلتك يا محمد فقيرا تحتاج إلى طلب الرزق في الأسواق كغيرك من البشر فتنة لقومك المعاندين، لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان أو كان معك ملك لانقادت الناس إليك عفوا وأطاعتك قسرا طلبا لما عندك في الدنيا أو خوفا من القوة، لا طاعة خالصة لنا ولا خوفا من عذابنا وطمعا برحمتنا، ويجوز أن يكون ذلك الافتتان علة للجعل، أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع لنختبركم على حد قوله تعالى «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» الآية ٢ من سورة الملك في ج ٢، وعلى كل فالمعنى أخبروني عن اختياركم الصبر أم الضجر، وهو خبير بما يقولون ويكنّون بدلالة قوله «وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً» ٢٠، بك وبهم عالما بالصابر والجازع فلا يضيق صدرك يا سيد الرسل بما يقولون ولا تعبا بهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من دونه في المال والجسم.
هذا لفظ البخاري، لمسلم: انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعم الله عليكم. وفي تكرير لفظ المال والجسم في رواية البخاري إشارة إلى أنه يطلب من الناس النظر إلى من هو فوقهم في الدين والتقوى وهو كذلك
قال تعالى «وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» في الآخرة لأنهم ينكرون البعث أي يخافون بلغة تهامه وهي أيضا من لغة هذيل وهذا الفعل إذا كان مع الرجاء جحد، أي نفي ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون فلان لا يرجو ربه أي لا يخافه ففية معنى الجحد ومنه قوله تعالى «ما لَكُمْ لا
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً»
الآية ٤٤ من سورة نوح وإذا قالوا فلان يرجو ربه فليس فيه معنى الجحد ويكون معناه يسأله ضد يأس ويجوز هنا أن يكون بمعنى لا يتوقعون ولا يعتقدون وجود الآخرة التي فيها لقاء الله والحساب والعقاب على ما كان منهم في الدنيا وهو أولى «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» فتخبرنا بصدق محمد «أَوْ نَرى رَبَّنا» عيانا فيخبرنا بذلك لآمنا بهذا الرسول وصدقناه قال تعالى مستعظما عليهم قولهم «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» هؤلاء الكفرة وعدوها كبيرة بأعينهم وعظموا شأنهم في هذا القول العظيم والله أجل وهم أحقر من أن ينزل عليهم ملائكته أو يكلمهم أو يرونه فقد فسقوا بقولهم هذا «وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً» ٢١ فتجاوزوا الحد في مقالهم هذا. ولام لقد واقعة في جواب قسم محذوف، أي وعزتي وجلالي لقد رأى هؤلاء الكفرة أنفسهم كبيرة حتى جرأوا على قولهم هذا، يا سيد الرسل قل لهؤلاء المنحطّين «يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ» لا يستطيعون التكلم معهم لأنهم لا يرونهم إلا عند الموت الذي فيه صك أسنانهم، وعند البعث في الآخرة وفيه تذهل عقولهم، مما يلاقونه من الهول «لا بُشْرى» في هذين الوقتين «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» بل لهم الخزي والخوف والذّل والهوان، وفي هذا القيد بشارة للمؤمنين بالفرح والأمان، لأن الملائكة عند الموت وفي البعث تبشرهم بما لهم عند الله من الكرامة، فيهون عليهم الأمر فيهما، كما تقول الكفار لا بشرى لكم بل الويل والثبور، فيزيد ذعرهم. يدل على هذا قوله تعالى «وَيَقُولُونَ» لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» ٢٢ أي أنتم ممنوعون من بشارة الخير منعا باتا أيها الكفرة. قال ابن عباس حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومعنى الحجر المنع، وكانت العرب إذا نزل بهم شدة أو كرب أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فهم أيضا يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة لأنهم يكرهونهم، لعلمهم أنهم يوقعون بهم العذاب الشديد الدائم قال المتلمس:
| حنّت إلى النحلة القصوى فقلت لها | حجر حرام ألا تلك الدهاريس |
| تخللت مسلك الروح مني | وبه سمي الخليل خليلا |
| عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه | فكل قرين بالمقارن يقتدي |
بيان المعاني
عبد القادر بن ملّا حويش السيد محمود آل غازي العاني