حِجْرًا مَّحْجُورًا : أصل كلمة الحجر السدّ أو المنع أو التحريم. والجملة من تعابير العرب ومعناها حراما محرما. وكانوا يقولونها إذا لقي أحد منهم غريمه في الأشهر الحرم يعنون أن دمهم محرّم فيها. ومعنى الآية التي فيها التعبير أن الكافرين يوم يرون الملائكة لا يسمعون بشرى منهم ويقولون لهم : إن البشرى والجنة عليكم حرام محرم أو أنهم حينما لا يسمعون بشرى وترحيبا من الملائكة يقولون الجملة بقصد الاستعاذة بهم وطلب الامتناع عن سوقهم إلى العذاب.
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير الشيطان يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو : الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.
التفسير الحديث
دروزة