ثم يقول الحق سبحانه عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم :
وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا٣٠ :
القوم : قوم الرجل : أهله وعشيرته والمقيمون معه، ويجمعهم إما أرض، وإما دين. وسموا قوما لأنهم هم الذين يقومون على أمر الأشياء، فهم الرجال خاصة ؛ لأن النساء المفروض فيهن السكن والقرار في البيوت.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح لنا هذا الفرق في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن.... ١١ ( الحجرات ) : إذن : فالقوم هم الرجال خاصة.
ومن ذلك أيضا قول الشاعر١ :
وما أدري ولست إخال أدري **** أقوم آل حصن أم نساء ٢
وقوله تعالى : إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا٣٠ ( الفرقان ) : أضاف القوم إليه- صلى الله عليه وسلم – لأنه منهم يعرفونه ويعرفون أصله، وقد شهدوا له بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق قبل أن يبعث، وكان عندهم مؤتمنا على نفائس أموالهم ؛ لذلك خاطبهم الحق تبارك وتعالى بقوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ١٢٨ ( التوبة ).
إذن : فالرسول ليس بعيدا عنكم، ولا مجهول لكم، فمن لم يؤمن به كرسول ينبغي أن يؤمن به كأسوة وقدوة سلوك لسابق تاريخه فيكم.
لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوة، ولا أن يقرأ له قرآنا، أو يظهر له معجزة، إنما آمن وصدق بمجرد أن قال رسول الله، فما دام قد قال فقد صدق، ليس بمعجزة رآها أبو بكر، إنما برصيده القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخلقه، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الكذب على الخلق، ويكذب على الخالق.
وكذلك السيدة خديجة : هل انتظرت من رسول الله ما يثبت نبوته ؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدقت به، ووقفت بجانبه وثبتته وهدأت من روعه، وقالت له : " والله لا يسلمك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل٣، وتعين على نوائب الدهر " ٤.
ومعنى : " مهجورا٣٠ }( الفرقان ) : من الهجر وهو قطع الصلة، فإن كانت من جانب واحد فهي هجر، وإن كانت من الجانبين فهي ( هاجرا ). والمعنى : أنهم هجروا القرآن، وقطعوا الصلة بينهم وبينه، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذبوا بها، وانقطعوا عن الأحكام حينما عصوها، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا في كل هذه المسائل : العقائد والعبادات والتصديق بالرسول.
مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى : وإنه لذكر لك ولقومك... ٤٤ ( الزخرف ) : لمجدوا القرآن وتمسكوا به، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم، وأعلى ذكرهم بين الأمم، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذت لهجتها الخاصة الوطنية، وجعلت منها لغة لتلاشت العربية كلغة.
وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئا، ولولا أن الفصحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحت كل منها لغة خاصة، كما حدث في اللغات اللاتينية التي تولدت منها الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة بها، وكانت في الأصل لغة واحدة، إلا أنها لا رابط لها من كتاب مقدس.
فالحق –تبارك وتعالى- ينبههم إلى أن القرآن فيه ذكرهم وشرفهم وعزتهم، وفيه شهرتهم وصيتهم، فالقرآن جعل العرب على كل لسان، ولولاه لذابوا بين الأمم كما ذابت قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد.
لذلك يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إن تؤمنوا بما جئت به يكن حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي قولي صبرت حتى يحكم الله بيني وبينكم " ٥.
٢ ديوان زهير بن أبي سلمى ٧٣، وحسن التوسل صفحة ٢٣١..
٣ تحمل الكل: أي تعين المثقل ومنه الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال انظر شرح النووي على مسلم(٢/٥٦١)، وفتح الباري للعسقلاني (١/٢٤)..
٤ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه(٣) وستة مواضع أخرى من صحيحه، وكذا مسلم في صحيحه(١٦٠) من حديث عائشة رضي الله عنها..
٥ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٩٦) ضمن حديث وفد كفار قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم..
تفسير الشعراوي
الشعراوي