ولما رأى صلى الله عليه وسلم إعراض قومه عنه، شكا إلى ربه، فقال :
وَقَالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً
قلت :( وقال الرسول ) : عطف على :( وقال الذين لا يرجون. . )، وما بينهما : اعتراض ؛ لبيان قبح ما قالوا، وما يحيق بهم في الآخرة من الأهوال والخطوب.
يقول الحق جل جلاله : وقال الرسولُ ؛ محمد صلى الله عليه وسلم، وإيراده بعنوان الرسالة للرد في نحورهم، حيث كان ما حكي عنهم قدحاً في رسالته صلى الله عليه وسلم، أي : قال، إثر ما شاهد منهم من غاية العتو ونهاية الطغيان، شاكياً إلى ربه - عز وجل :- يا ربِّ إِن قومي ، يعني : قريشاً الذي حكى عنهم ما تقدم من الشنائع، اتخذوا هذا القرآنَ ، الذي من جملته الآيات الناطقة بما يحيق بهم في الآخرة من فنون العقاب، مهجوراً أي : متروكاً بالكلية، فلم يؤمنوا به ويرفعوا إليه رأساً، ولم يتأثروا بوعظه ووعيده، وهو من الهجران، وفيه تلويح بأن حق المؤمن أن يكون كثيرَ التعاهد للقرآن ؛ لئلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. قال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" مَنْ تَعَلَّم القُرْآن ؛ فعلَّقَ مُصحفاً لَمْ يتعَاهَدْهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ فيه، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتعَلِّقاً بِهِ، يَقُولُ : يَا رَبَّ العَالمينَ عَبْدُكَ هذَا اتَّخَذَنِي مَهْجُوراً، اقْضِ بَيْنِي وبَيْنَهُ ".
وقيل : هو من هجر ؛ إذا هذى، أي : قالوا فيه أقاويل باطلة، كالسحر، ونحوه، أو : بأن هجروا فيه إذا سمعوه، كقولهم : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ [ فصلت : ٢٦ ] ؛ أي : مهجوراً فيه.
وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى، فإن الأنبياء - عليهم السلام - إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجَّل لهم العذاب، ولم يُنظروا.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي