ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا" (١).
وَقَوْلُهُ: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا : يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نَدَمِ الظَّالِمِ الَّذِي فَارَقَ طَرِيقَ الرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، الَّذِي لَا مرْية فِيهِ، وَسَلَكَ طَرِيقًا أُخْرَى غَيْرَ سَبِيلِ الرَّسُولِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَدمَ حيثُ لَا يَنْفَعُهُ النَدَمُ، وَعَضَّ عَلَى يَدَيْهِ حَسْرَةً وَأَسَفًا.
وَسَوَاءً كَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا فِي عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيط أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ، فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ظَالِمٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الْأَحْزَابِ: ٦٦ -٦٨] فَكُلُّ (٢) ظَالِمٍ يَنْدَمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غَايَةَ النَّدَمِ، ويَعَض عَلَى يَدَيْهِ قَائِلًا يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا يَعْنِي: مَن (٣) صَرَفَهُ عَنِ الْهُدَى، وَعَدَلَ بِهِ إِلَى طَرِيقِ الضَّلَالَةِ [مِنْ دُعَاةِ الضَّلَالَةِ] (٤)، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ غَيْرُهُمَا.
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [وَهُوَ الْقُرْآنُ] (٥) بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي أَيْ: بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَيَّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا أَيْ: يَخْذُلُهُ عَنِ الْحَقِّ، وَيَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الْبَاطِلِ، وَيَدْعُوهُ إِلَيْهِ.
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ رَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (٦) -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ (٧) عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدين -أنه قال: يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُصغُون لِلْقُرْآنِ وَلَا يَسْمَعُونَهُ (٨)، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فُصِّلَتْ: ٢٦] وَكَانُوا إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى لَا يَسْمَعُوهُ. فَهَذَا مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ [عِلْمِهِ وَحِفْظِهِ أَيْضًا مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ] (٩) الْإِيمَانِ بِهِ وَتَصْدِيقِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ تَدَبُّرِهِ وَتَفْهُّمِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ زَوَاجِرِهِ مِنْ هُجْرَانِهِ، والعدولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ -مَنْ شِعْرٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ لَهْوٍ أَوْ كَلَامٍ أَوْ طَرِيقَةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنْ غَيْرِهِ -مِنْ هُجْرَانِهِ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الكريمَ المنانَ القادرَ عَلَى مَا يَشَاءُ، أَنْ يُخَلِّصَنَا مِمَّا يُسْخطه، وَيَسْتَعْمِلَنَا فِيمَا يُرْضِيهِ، مِنْ حِفْظِ كِتَابِهِ وَفَهْمِهِ، وَالْقِيَامِ بِمُقْتَضَاهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وأطرافَ النَّهَارِ، عَلَى الوجه الذي

(١) المسند (٣/٧٥) وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم ضعيف.
(٢) في ف، أ: "وكل".
(٣) في ف، أ: "لمن".
(٤) زيادة من ف، أ.
(٥) زيادة من ف، أ.
(٦) في أ: "محمدا".
(٧) في ف، أ: "صلى الله عليه وسلم".
(٨) في أ: "يستمعونه"
(٩) زيادة من ف، أ.

صفحة رقم 108

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

سامي سلامة

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1420
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية