ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ

٣٠ - قوله تعالى: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا قال ابن عباس: يريِد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يشكوهم إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- (١) يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ذكروا في المهجور قولين، قال ابن عباس: يريد: هجروا القرآن، وهجروني وكذبوني.
وقال الكلبي: مهجورًا: متروكًا (٢).
وقال مقاتل: تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له (٣).
هذا قول من جعله من الهجران والهجر (٤).

= جميعًا يوم بدر. يعني: أمية، وعقبة. وذكر السمرقندي ٢/ ٤٥٩، أن أبي بن خلف قُتل يوم أحد. وكذا الثعلبي ٨/ ٩٥ ب.
(١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن قتادة ونسبه ابن الجوزي ٦/ ٨٧، لمقاتل. لكنَّي لم أجده في تفسيره ولم يبين الواحدي -رحمه الله- زمن هذا القول؛ لكن البغوي ٦/ ٨٢، قال: ويقول الرسول في ذلك اليوم. يعني اليوم الذي يعض فيه الظالم على يديه، فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم. ويحتمل أن تكون هذه الشكاية في الدنيا، وفي ذلك تعظيم لأمرها، من جهة أن الأنبياء كانوا إذا التجؤا إلى الله وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب، ولم يُنظروا. "تفسير الزمخشري" ٣/ ٢٦٩. وجعله ابن عطية ١١/ ٣٥، قول الجمهور. ثم قال: وقالت فرقة: هو حكايته عن قوله ذلك في الآخرة. وتبعه ابن الجوزي ٦/ ٧٨ ورجح الرازي ٢٤/ ٧٧، أن يكون ذلك في الدنيا؛ لأنه موافق للفظ، ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ تسلية للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه. والله أعلم.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وذكره الفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٤) ونسب هذا القول ابن جرير ١٩/ ٩، إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم قال: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [فصلت: ٢٦] وذلك هجرهم إياه.

صفحة رقم 482

وقال مجاهد: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر (١).
وقال إبراهيم: قالوا فيه غير الحق (٢).
وقال مِسْعَر: قالوا فيه هُجْرًا (٣). وعلى هذا القول: المهجور، من الهجرة. وذكرنا الكلام في الهجر عند قوله: سَامِرًا تَهْجُرُونَ [المؤمنون: ٦٧] (٤).
وذكر الفراء والزجاج القولين؛ فقالا: يجوز أن يكون مهجورًا: متروكاً، أي: جعلوه متروكًا (٥) مهجورًا، لا يسمعونه (٦) ولا يتفهمونه. ويقال: إنَّهم جعلوه كالهُجر بمنزلة الهذيان. والهُجْر: ما لا ينتفع به من القول. وكانوا يقولون: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَهجُر (٧). وعلى هذا يقال: هَجَر، يَهجُر، هَجْرًا، وهُجْرًا، والكلام مهجور. فجعلوا القرآن كلامًا لغوًا. وهو قولهم: إنَّه شعر، وسحر، وسمر، وأساطير الأولين.
ويدل على صحة القول الأول ما روي عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(١) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٢. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧. وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، من طريقين؛ الأولى كرواية الطبري، والثانية، بنحوه وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) لم أجد قول مِسْعَر بن كِدَام، فيما تيسر لي من المراجع.
(٤) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين وأهل اللغة في معنى الهجر والمراد به في الآية، وهو قريب مما ذكره هنا.
(٥) (متروكًا) في (أ)، (ب).
(٦) في (ج): (يستمعونه).
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦، بمعناه.

صفحة رقم 483

"من تعلم القرآن وعلق مصحفًا لم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة معلقًا به، يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورًا، اقضِ بينيى وبينه" (١).
وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر، فقال: يجوز أن يكون المهجور مصدرًا، كالهجر، والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذْنَا فلانًا ضحكَة أو سُخرة، أي: إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه. وهذا النظم أبلغ، من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن (٢). وذكرنا تحقيق هذا الفصل عند قوله: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ [الإسراء: ٢٩] وعند قوله: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ [إبراهيم: ٤٠] (٣).

(١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" ٢/ ٤٥٩: رواه الثعلبي، ثم ساق إسناده، وفيه: ثنا أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، ثنا أنس بن مالك. ويوجد في النسخة التي عندي من "تفسير الثعلبي" سقط في سورة الفرقان من الآية: ٢٠، إلى: ٣٧. قال ابن حجر: أخرجه الثعلبي من طريق أبي هدبة عن أنس؛ وأبو هدبة كذاب. "الكشاف الشاف بحاشية الكشاف" ٣/ ٢٧٠. قال الإمام أحمد: إبراهيم بن هدبة لاشيء، روى أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. "الضعفاء والمتروكون" لابن الجوزي ١/ ٥٨.
(٢) حاصل الأقو الذي قوله تعالى: مَهْجُورًا ثلاثة؛
١ - أنهم هجروه بإعراضهم.
٢ - أنهم قالوا فيه هُجراً، أي: قبيحاً.
٣ - أنهم جعلوه هُجراً من الكلام، وهو ما لانفع فيه من العبث، والهذيان. "تفسير الماوردي" ٤/ ١٤٣. واقتصر الواحدي في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، و"الوجيز" ٢/ ٧٧٨، على القول الأول. وذكر ابن القيم أن هجر القرآن أنواع خمسة. "الفوائد" ص ٨١. ونحوه في "تفسير ابن كثير" ٦/ ١٠٨.
(٣) قال الواحدى: قوله تعالى: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ ذكره على النعت ولم =

صفحة رقم 484

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية