حشر الكفار إلى النار. " الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ". ( سورة الفرقان الآية : ٣٤ )
المناسبة :
لما أبطل شبههم، بين مآلهم وجزاءهم.
المفردات :
( الحشر ) : السوق والجمع، ( المكان ) المنزل، ( والسبيل ) الطريق.
التراكيب :
فصلت الجملة١لأنها بيان لحالهم في الآخرة، وهو غير الموضوع المتقدم.
عرف المسند إليه بالإشارة : في قوله :( أولئك شر مكانا ) ؛ للتنبيه على أن المشار إليه وهو المتقدم، حقيق بما بعد اسم الإشارة من قوله :( شر مكانا وأضل سبيلا ) ؛ بسبب ما اتصف به المشار إليه المتقدم، مما دلت عليه الصلة، وهو حشرهم على وجوههم إلى جهنم، الذي ما أصابهم إلا بما قدمت أيديهم.
في الحقيقة هم أحقاء بكونهم شر مكانا، وأضل سبيلا، بسبب ما أداهم إلى ذلك الحشر، فاكتفى بذكر المسبب عن السبب٢.
وأفعل التفضيل٣ لم يذكر معه المفضل عليه ؛ ليفيد أن مكانهم شر مكان من أمكنة الشر، وسبيلهم أضل سبيل من سبل الضلال.
وإسناد الضلال للسبيل مجاز٤.
المعنى :
هؤلاء المشركون القائلون للمقالات المتقدمة، ومن كان على شاكلتهم في الكفر والعناد الذين يجمعون ويساقون إلى جهنم مقلوبين على وجوههم : أولئك شر مكانا ومستقرا، فإنهم أهل النار، وأضل طريقا فإنهم سلكوا طريق الكفر الذي أداهم إلى ذلك المستقر.
حديث :
كيفية الحشر على الوجه :
أخرج الشيخان عن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – أن رجلا قال :" يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه ؟ قال – صلى الله عليه وآله وسلم – " أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ ! ".
فقه :
الحمل على الظاهر :
من هذا الحديث علمنا : أنه يجب فيما يرد من الأخبار عن اليوم الآخر أن يحمل على ظاهره، ولو كان غير معتاد في الدنيا ؛ لأن أحوال العالم الآخر لا تقاس على أحوال هذا العالم.
توجيه :
ترفع وإذلال :
رفعوا وجوههم في الدنيا عن السجود لله، فأذل الله تلك الوجوه فمشوا عليها في المحشر. ورفعوا رؤوسهم كبرا عن الحق، فنكسها الله يوم القيامة. ومشوا في طريق النظر و الاستدلال مشيا مقلوبا، فمشوا في الآخرة مشيا مقلوبا.
فكان ما نالهم من سوء تلك الحال جزاء وفاقا لما أتوا من قبيح الأعمال، وما ربك بظلام للعبيد.
تحذير :
فيما يذكره الله – تعالى – من هذا الجزاء العادل، تخويف عظيم لنا من سوء الأعمال التي تؤدي إلى سوء الجزاء، وخصوصا من مثل ما ذكر فيما تقدم من ترك السجود والكبر على الحق، والنظر المقلوب. عصمنا الله والمسلمين أجمعين بالعلم والدين، وهدانا سنن المرسلين آمين يا رب العالمين.
٢ المسبب حشرهم على وجوههم، والسبب ما قدمت أيديهم..
٣ في "شر وأضل"..
٤ لأن الضلال يقع فيه..
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
عبد الحميد محمد بن باديس الصنهاجي