ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا٣٤ :
الذين... ٣٤ ( الفرقان ) : إجمال لأشخاص معروفين بذواتهم، وقفوا من الرسول موقف العداء، ومنهم من سبق أن قال : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ٢٧ يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا٢٨ : والحشر : الجمع للحساب، لكن سيحشرون على وجوههم ؛ لذلك لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله : كيف يمشون على وجوههم، قال صلى الله عليه وسلم : " الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم " ١.
فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه، ولعله يجر جرا، سواء أكان على وجهه أو على أي شيء آخر، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور هي مناط القدرة المطلقة.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح هذه المسألة في قوله تعالى : والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شي قدير٤٥ ( النور ).
إذن : المشي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء.
لكن، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام ؟ قالوا : هذا من باب إرخاء العنان للخصم، وكلمة ( العنان ) تأتي بكسر العين وفتحها، واللغويون يقولون : هي على وزن ما هي بمعناه، فإن قصدت بها عنان السماء فهي على وزن سحاب، وإن أردت بها عنان الفرس، فهي على وزن لجام.
وراكب الدابة إن أرخى لها العنان تركها تسير كما تشاء، كذلك الحق- تبارك وتعالى – يرخي للخصم العنان ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب. وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يرد عليهم ويجادلهم الجدل الهادئ بالتي هي أحسن، فحين قالوا عنه مفتر، وعن القرآن مفترى ومكذوب رد عليهم : أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله... ٣٨ ( يونس ).
ثم يترقى في جدالهم : أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون٣٥ ( هود )، وفي آية أخرى يرد عليهم : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين٢٤
( سبأ ). وهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف من على الهدى ومن على الضلال ؟ لا شك أنه إرخاء العنان للخصم، يقول لهم : أنا وأنتم على طرفي نقيض : أنا أقول بإله واحد وأنتم تكذبون قولي، فأنا متناقض معكم في هذه القضية، والقضية لا بد أن تأتي على شكل واحد، فإما أنا على الهدى، وإما أنتم، وأنا لا أدعي الحق لنفسي.
إذن : المطلوب أن تعملوا عقولكم لتميزوا من منا على الهدى ومن منا على الضلال، وكأن رسول الله يرتضي حكموتهم في هذه المسألة، وما ترك لهم رسول الله الحكم إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه، وأنه على الهدى، وأنهم على الضلال.
إذن : عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم، وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء بأسلوب عام فقال :( الذين ) ولم يقل هؤلاء، بل جاء بالقضية العامة ولم يواجههم بالجزاء مما يدل على التلطف في أمر الدعوة، وهذا نوع من استمالة الخصم لنقطع منه شراسة العداء والعناد.
لذلك يخاطب الحق –تبارك وتعالى – رسوله صلى الله عليه وسلم : فبما رحمة من الله لنت لهم... ١٥٩ ( آل عمران ) : كأنك لم تلن لهم بطبعك ؛ لأن عنادهم وأذاهم كان سيرغم طبعك على أن تكون قاسيا معهم ولكن رحمة الله شملتك فلنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا حولك... ١٥٩ ( آل عمران ) :
هذا يعني أن الداعية لا بد أن يكون رحب الصدر، رحب الساحة، ذلك لأنه يخرج أهل الضلال عما ألفوه إلى شيء يكرهونه، فلا تخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه، فتجمع عليهم شدتين، إنما تلطف معهم، كما قال عز وجل لموسى وهارون عندما أمرهم بدعوة فرعون : فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ٤٤ ( طه ).
لأن الذي بلغ من عناده أن يتكبر لا على المخلوقين أمثاله، إنما يتكبر على الخالق فيدعي الألوهية لا بد أن تأتيه بأسلوب لين لطيف.
وفي آية أخرى يعلم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يجادل المشركين، فيقول سبحانه : قل لا تسألون عما أجرمنا... ٢٥ ( سبأ ).
وهل يتصور الإجرام من رسول الله ؟ ! وفي المقابل : ولا نسأل عما تعملون ٢٥ ( سبأ ) : مع أن منطق الجدل هنا أن يقول : ولا نسأل عما تجرمون، لكنه نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حق الآخرين، فهل هناك تلطف وترقيق للقلوب فوق هذا ؟
الحق –تبارك وتعالى – يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن رسوله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان قومه، وأنه لم يدخر وسعا في سبيل هدايتهم وجذبهم إليه ؛ لدرجة أنه حمل نفسه فوق ما يطلبه الله منه، حتى قال له ربه : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا٦ ( الكهف ).
وقال : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين٣ ( الشعراء ).
يعني : مهلك نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد علم منه حرصا ورغبة أكيدة في هداية قومه.
ومعنى : أولئك شر مكانا وأضل سبيلا٣٤ ( الفرقان )، قوله تعالى شر... ٣٤ ( الفرقان ) : ولم يقل أشر ؛ لأن معناها : أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضا من إرخاء العنان للخصم.

١ عن أنس بن مالك أن رجلا قال : يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال :"أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٦٠-٦٥٢٣) وكذا مسلم في صحيحه (٢٨٠٦) كتاب صفات المنافقين..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير