ﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفار حيث قالوا على سبيل التحدّي : هلا أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة ؟ وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار. فالله تعالى إنما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وجعل الناس يحسنون استيعابه، وإن الكفار لا يأتون بمثل أو حجة يظنون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلاّ أنزل الله في صدده ما فيه الحق والتفسير الأفضل والحجة الدامغة المفحمة، وأن الذين يظلون في كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم وسيعلمون حينئذ أنهم الأضل سبيلا والأسوأ مصيرا. والزيادة التي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسما مستمدة من آية الإسراء هذه : وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ١٠٦ .
والآيات استمرار في السياق الذي احتوى منذ أول السورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والردّ عليهم وإنذارهم.
ولقد روى الشيخان عن أنس في سياق تفسير الآية [ ٣٤ ] حديثا جاء فيه :" إنّ رجلا قال : يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة : بلى وعزّة ربنا " ١.
تعليـق على تحـدّي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة.
وقد قال المفسرون في سياق الآيات : إن الكفار كانوا يتحدّون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة كما أنزلت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة. وعلّلوا نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان لابد له من التلقين والحفظ اللذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا في حين كان الأنبياء الأولون يقرؤون ويكتبون فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة٢.
وقد يكون ما قاله المفسرون عن سبب تحدّي الكفار صحيحا، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيين أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على موسى وعيسى وداود عليهم السلام جملة واحدة. غير أننا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضية مسلّم بها وتعليلهم إياه بأمّية النبي صلى الله عليه وسلم. فباستثناء الألواح التي ذكرت آية الأعراف [ ١٤٥ ] أن الله أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أن الله أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة. والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته والمتداولة اليوم تذكر أن الله إنما أمر موسى بإحضار لوحين، وتكرر كذلك أن موسى كتب كلام الربّ في سفر وسلّمه للآويين لحفظه في تابوت العهد في بيت الربّ، وتفيد أن معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظروف بالنسبة لموسى عليه السلام وبالنسبة لبني إسرائيل٣. والزبور الذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السلام. ويتبادر منها أنها لم توح إلى داود مرة واحدة. وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السلام ولم يرو أحد أنه اطّلع على مثل ذلك. والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه التي عليها سمة الوحي. غير أنها تمثل وقائع ومجالس مختلفة فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة. وكل هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال.
ولقد عاد بعض المفسّرين٤ إلى القول في سياق هذه الآية : إن الله تعالى قد أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وأنه صار ينزل منجما على النبي من هذه السماء حسب الوقائع والحوادث. ولقد أوردنا هذا في سياق سورة القدر وعلّقنا عليه بما يغني عن التكرار.
هذا، ومع أن تعبير ( القرآن ) أصبح علما على جميع ما أوحى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنية المحكمة والمتشابهة، فإن هذه الآية وأمثالها مما تكرر في القرآن ومن ذلك الآية السابقة [ ٣٠ ] تؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزمل من أن أصل مفهوم القرآن هو السور والفصول المحكمة التي احتوت مبادئ الدعوة وتدعيماتها الرئيسية كما تؤيد أن هذا هو الذي فهمه العرب، وأن ما جاء في سياق التدعيم والتأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة مما يصحّ أن يسمّى من المتشابهات لم يكن في الأصل مما عناه التعبير وفهمه العرب، وأن شمول التعبير لكل ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنما كان بسبب أنه من وحي الله وتنزيله مثل ذلك الأصل ؛ وهو ما عنته آية آل عمران هذه : هُو الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [ ٧ ].


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير