ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

ثم رد على من طلب إنزال القرآن جملة، بكون كتاب التوراة نزل جملة، ومع ذلك كفروا به، فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً * فَقُلْنَا اذْهَبَآ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً
يقول الحق جل جلاله : ولقد آتينا موسى الكتاب ؛ أُنزل عليه جملة، ومع ذلك كفروا وكذبوا به، كما قال تعالى : أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ [ القصص : ٤٨ ]، فكذلك هؤلاء، لو نزل جملة، كما اقترحوا، لكفروا وكذبوا كما كذَّب أولئك. وجعلنا معه أخاه هارونَ وزيراً ، فأخاه : مفعول أول لجعل، و( وزيراً ) : مفعول ثان، أي : جعلنا معه أخاه مقوياً ومعيناً. والوزير : من يُرجع إليه ويُتَحَصَّنُ برأيه، من الوزَر، وهو الملجأ.
والوزارة لا تنافي النبوة ؛ فقد كان يُبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويُؤمرون أن يوازر بعضهم بعضاً. أو : يكون وزيراً أول مرة ورسولاً ثانياً.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : أعباء الرسالة والولاية لا تحمل ولا تظهر إلا بمُعين. قال تعالى : وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى [ المائدة : ٢ ]، ولا بد لصاحب الخصوصية من إخوان يستعين بهم على ذكر الله، ويستظهر بهم على إظهار طريقة الله. فإن وُجد وَليّ لا إخوان له ولا أولاد، فلا يكون إلا غالباً عليه القبض، مائلاً لجهة الجذب، فيقل الانتفاع به، ولا تحصل التوسعة للوَلي إلا بكثرة الأصحاب والإخوان، يعالجهم ويصبر على جفاهم، حتى يتسع صدره وتتسع معرفته. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير