اسمع لمشركي قريش يعترضون على النبي والقرآن اعتراضا آخر لما عجزوا وأفحموا وتحداهم القرآن فلم ينجحوا، اسمع لهم يقولون: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كما نزلت الكتب على موسى وعيسى وداود! كذلك نزل القرآن منجما تبعا للحوادث والظروف لحكم إلهية هي تثبيت فؤاد النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن معه، فيكون ذلك أدعى إلى حفظه وفهمه فهما عميقا لأن الحوادث تفسره تفسيرا عمليّا، وكذلك رتلنا القرآن ترتيلا، وبيناه تبيينا وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ولا يأتونك بصفة وحال غريبة تشبه المثل كقولهم: لولا أنزل عليه ملك، لولا كانت له جنة إلى آخر ما قالوا. إلا جئناك بالقول الحق والرد القوى الذي يلجمهم، ولا يسألونك سؤالا للتعنت والتحدي إلا جعلناك تجيب بأن ننزل عليك القرآن، وهو الحق من عند ربك، فلو نزل جملة واحدة لوقفت إذا سألوك عن شيء خارج،... حقا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا.
الذين من دأبهم هذا ومن طبعهم، يحشرون على وجوههم إلى جهنم، وبئس القرار، أولئك هم شر مكانا وأضل سبيلا.
والخلاصة: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأنت منصور عليهم بالحجج الواضحة، وهم محشورون على وجوههم، أولئك مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
قصص بعض الأمم التي كذبت رسلها [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٣٥ الى ٤٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)
المفردات:
وَزِيراً يقال: فلان وزير الملك أو الرئيس لأنه يؤازره أعباء الملك، أى: يعينه من المؤازرة، وقد مضى الكلام عليه في آية (٢٩) من سورة طه تَدْمِيراً أهلكناهم إهلاكا الرَّسِّ البئر التي لم تطو، وقيل: الرس الحفر، ومنه رس الميت أى:
قبر تَتْبِيراً التتبير: التفتيت والتكسير ومنه التبر وهو كسارة الذهب والفضة، والمراد أهلكناهم إهلاكا.
وهذا قصص ما مضى من الأمم التي وقفت من أنبيائها مواقف تشبه مواقف قريش مع النبي، وكيف كان جزاؤهم في الدنيا!.
المعنى:
وتالله لقد آتينا موسى الكتاب الذي هو التوراة، وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا له ليشد أزره، ويحمل معه عبء الرسالة، فقلنا: اذهب أنت وأخوك بآياتنا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، اذهبا إلى القوم- فرعون وملئه- الذين كذبوا بآياتنا وعصوا رسلنا فكانت عاقبتهم أنا دمرناهم تدميرا، فانظروا يا كفار مكة عاقبة الكفر وتكذيب الرسل.
واذكر لهم قوم نوح. لما كذبوا الرسل جميعا، إذ من يكذب رسولا فقد كذب الرسل، ومن يؤمن برسول حقا فقد آمن بجميع الرسل، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية، فهل من مدكر؟ وأعتدنا للظالمين أى: لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذابا أليما، وقوم نوح يدخلون في ذلك دخولا أوليا.
واذكر لهم عادا لما كذبوا هودا وثمود لما كذبوا أخاهم صالحا، وأصحاب الرس قيل: هم قوم من عبدة الأصنام أصحاب آبار وماشية فبعث الله لهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام فكذبوه، وآذوه فخسف الله بهم وبدارهم الأرض، وقيل هم أصحاب الأخدود وقيل غير ذلك، وأيا ما كانوا. فهم قوم أخبر الله عنهم بالهلاك، فاعتبروا يا أولى الأبصار.
واذكر لهم قرونا بين ذلك، أى: أمما لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس...
وكلا من الذين ذكروا بالنص كقوم نوح وعاد، ومن الذين ذكروا بالإجمال ضربنا له الأمثال، وبينا له الحجج والآيات، وأجبناهم على كل الشبه والاعتراضات فلما لم يجد هذا ولا ذاك تبرناهم تتبيرا، وأهلكناهم هلاكا تاما.
فما لكم لا تعتبرون؟!! ولقد أتى أهل مكة على القرية، ومروا بها في رحلاتهم، والمراد بالقرية (سدوم) من قرى قوم لوط، التي أمطرت بالحجارة فكان أسوأ مطر وأشده عليهم! أفلم يكونوا يرونها؟ أفلم يكونوا في مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله- تعالى- ونكاله بهم!! بل السبب في جحودهم وعدم اعتبارهم والتفاتهم إلى موضع العبرة والعظة، أنهم قوم كفرة لا يرجون نشورا. نعم إن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف، إلا رجاء ثواب الآخرة وخوف عقابها فإذا لم يؤمن بها ولم يرج ثوابها فلا يتحمل مشاق التكاليف، ولا يفتح عينه ولا قلبه على موضع العبرة والعظة، وهذا هو معنى قوله تعالى لا يَرْجُونَ نُشُوراً ولعلك تدرك من هذا السر في قوله:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ «١» ولا شك أنهم هم المنتفعون بالقران إذ من لا يؤمن بالحياة الآخرة بعيد عليه ان يتقبل الهدى والنور.
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي