قوله تعالى : وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرس الآية، «وعَادَاً » فيه ثلاثة أوجه :
أن يكون معطوفاً على «قَوْمِ نُوح »١، وأن يكون معطوفاً على مفعول «جَعَلْنَاهُمْ »٢ وأن يكون معطوفاً على محل «لِلظَّالِمِينَ » لأنه في قوة وعدنا الظالمين بعذاب٣. قوله :«وأَصْحَابَ الرَّسِّ » فيه٤ وجهان :
أحدهما :( أنه ) ٥ من عطف المغاير، وهو الظاهر.
والثاني : أنه من عطف بعض الصفات على بعض.
والمراد ب «أَصْحَابَ الرَّسِّ » ثمود، لأن الرّسّ البئر التي٦ لم تطو عن أبي عبيدة٧، وثمود أصحاب آبار. وقيل :«الرَّسُّ » نهر بالمشرق ( وكانت قرى أصحاب الرس على شاطئ فبعث الله إليهم نبياً من أولاد يهودا٨ بن يعقوب فكذبوه، فلبثت فيهم زماناً يشتكي إلى الله منهم، فحفروا بئراً ورسوه فيها، وقالوا : نرجو أن يرضى عنا إلهنا، وكانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم وهو يقول : إلهي ترى ضيق مكاني، وشدة كربي، وضعف قلبي، وقلة٩ صلتي فجعل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله ريحاً عاصفة شديدة الحر، وصارت الأرض من تحتهم كبريتاً متوقداً١٠، وأظلتهم١١ سحابة سوداء، فذابت أبدانهم كما يذوب١٢ الرصاص ) ١٣ ويقال : إنهم١٤ أناس عبدة أصنام قتلوا نبيهم ورسوه في بئر أي ؛ دسوه١٥ فيها١٦ وقال قتادة والكلبي : الرس بئر بفلج اليمامة قتلوا نبيهم وهو حنظلة بن صفوان١٧ وقيل : هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى١٨ في قوله : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ١٩ [ الحج : ٤٥ ]. وقال كعب ومقاتل والسدي : الرس٢٠ بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، ورسوه في بئر، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة يس٢١. وقيل : هم أصحاب الأخدود، والرس هو الأخدود الذي حفروه٢٢.
وقال عكرمة : هم قوم رسوا٢٣ نبيهم في بئر٢٤. وقيل : الرس المعدن، وجمعه رساس٢٥ وروي٢٦ عن علي - رضي الله عنه - : أنهم قوم كانوا يعبدون شجرة الصَّنَوْبَر وسموا أصحاب الرس ؛ لأنهم رسوا نبيهم في الأرض٢٧. وروى ابن جرير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله بعث نبياً إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهل القرية أحد إلا عبد أسود، ثم إنهم حفروا للرسول بئراً وألقوه فيها، ثم طبقوا عليها حجراً ضخماً، وكان ذلك الرجل الأسود يحتطب ويشتري له طعاماً وشراباً، ويرفع الصخرة ويدليه إليه، فكان ذلك ما شاء الله فاحتطب يوماً، فلما أراد أن يحملها وجد نوماً٢٨، فاضطجع٢٩، وضرب الله على أذنه تسع سنين، ثم هَبّ٣٠ واحتمل حزمته واشترى طعاماً وشراباً، وذهب إلى الحفرة فلم يجد أحداً، وكان قومه قد استخرجوه فآمنوا به، وصدقوه، وكان ذلك النبي يسألهم عن الأسود، ويقول لهم إنه٣١ أول من يدخل الجنة٣٢ ».
قوله :( «وقُروناً » )٣٣ أي : وأهلكنا قروناً كثيرة٣٤ بين عاد وأصحاب الرس٣٥ والقرون : جمع قرن، قال عليّ - رضي الله عنه - : القرن أربعون سنة، وهو قول النخعي. وقيل : مائة وعشرون سنة. وقيل غير ذلك٣٦. وتقدم الكلام عليه في سورة سبحان عند قوله : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ [ الإسراء : ١٧ ].
قوله :«بَيْنَ ذَلك » «ذلك » إشارة إلى من تقدم ذكره، وهم جماعات، فلذلك حسن دخول «بَيْنَ » عليه٣٧. وقد يذكر الذاكر بحوثاً ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعداداً متكاثرة، ثم يقول : فذلك كيت وكيت، أي ذلك المحسوب أو المعدود٣٨.
٢ قال الزجاج. معاني القرآن وإعراب ٤/٦٩، وقال النحاس: (وهو أولى: لأنه أقرب إليه) إعراب القرآن ٣/١٦١، ورده ابن الأنباري، فإنه قال: (ولا يجوز أن يكون بالعطف على "وجعلناهم" البيان ٢/٢٠٥، ولا وجه له لأن جميع هذه الأمم قد صارت آية لمن أتوا بعدهم من الأمم..
٣ انظر معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٦٩، الكشاف ٣/٩٧، البحر المحيط ٦/٤٩٨..
٤ فيه: سقط من ب..
٥ أنه: تكملة ليست في المخطوط..
٦ التي: سقط من ب..
٧ في النسختين: عبيد. كذا نقل عنه الزمخشري الكشاف ٣/٩٧. والفخر الرازي ٢٤/٨٢، والذي ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ٢/٧٥ أن الرس: المعدن..
٨ في ب: هودا. والتصويب من الفخر الرازي..
٩ في ب: قلته..
١٠ في ب: فيوقده. والتصويب من الفخر الرازي..
١١ في ب: وأضلتهم. والتصويب من الفخر الرازي..
١٢ انظر الفخر الرازي ٢٤/ ٨٢ – ٨٣، البحر المحيط ٦/٤٩٩..
١٣ ما بين القوسين سقط من الأصل..
١٤ في الأصل: أنه..
١٥ في ب: ودسوه..
١٦ انظر الكشاف ٣/٩٧، البحر المحيط ٦/٤٩٩..
١٧ انظر البغوي ٦/١٧٨، الكشاف ٣/٩٧، الفخر الرازي ٢٤/٨٢، البحر المحيط ٦/٤٩٨ – ٤٩٩..
١٨ تعالى: سقط من ب..
١٩ [الحج: ٤٥]. وانظر البغوي ٦/١٧٨..
٢٠ في ب: البئر..
٢١ في قوله تعالى: واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون.. الخ [يس: ١٣ وما بعدها]. انظر البغوي ٦/١٧٨، تفسير ابن عطية ١١/٤٠، القرطبي ١٣/٣٢، البحر المحيط ٦/٤٩٩..
٢٢ انظر البغوي ٦/١٧٨، الفخر الرازي ٢٤/٨٢، البحر المحيط ٦/٤٩٩..
٢٣ في ب: دسوا..
٢٤ انظر البغوي ٦/١٧٨..
٢٥ المرجع السابق واللسان (رسس)..
٢٦ في ب: روي..
٢٧ انظر تفسير ابن عطية ١١/٤٠، الفخر الرازي ٢٤/٨٢، القرطبي ١٣/٣٢، البحر المحيط ٦/٤٩٩..
٢٨ في ب: قوما ما. وهو تحريف..
٢٩ في ب: واضطجع..
٣٠ في ب: ذهب..
٣١ أنه: مكرر في ب..
٣٢ جامع البيان ١٩/١٠-١١..
٣٣ ما بين القوسين بياض في ب..
٣٤ في ب: كثيرا..
٣٥ انظر البغوي ٦/١٧٩..
٣٦ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٣، اللسان (قرن)..
٣٧ انظر البحر المحيط ٦/٤٩٩..
٣٨ انظر الفخر الرازي ٢٤/٨٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود