ثم يضرب الحق –تبارك وتعالى- لرسوله مثلا آخر :
وعادا و ثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ٣٨ :
إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم، كما قال في موضع آخر : وإلى عاد أخاهم هودا.... ٦٥ ( الأعراف ). وإلى ثمود أخاهم صالحا.... ٧٣ ( الأعراف ).
وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله، و دحر خصومهم والمكذبين بهم، كل ذلك ليقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : يا محمد لست بدعا من الرسل، فإن وقف منك قومك موقف العناد والتكذيب، فكن على يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال :
ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم لهم المنصورون١٧٢ وإن جندنا لهم الغالبون ١٧٣ ( الصافات ).
إنها قضية يطلقها الحق – تبارك وتعالى – لا للتأريخ فقط، ولكن لتربية النفس البشرية، فإن أردت الغلبة فكن في جند الله وتحت حزبه، ولن تهزم أبدا، إلا إذا اختلت فيك هذه الجندية، ولا تنس أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط، فإذا هزمت في معركة فعليك أن تنظر عن أي منهما تخليت.
لذلك رأينا في غزوة أحد أن مخالفة الرماة لأمر رسول الله قائد المعركة كانت هي سبب الهزيمة(١)، وماذا لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر الرسول ؟ لو انتصروا لفهموا أنه ليس من الضروري الطاعة والانقياد لأمر رسول الله. إذن : هذا دليل على وجوب الطاعة، وألا يخرجوا عن جندية الإيمان أبدا خضوعا وطاعة، ولا تقولوا : إن الرسول بيننا فهو يربيكم ؛ لأنه لن يخلد فيكم.
وقوله تعالى : وأصحاب الرس... ٣٨ ( الفرقان ) : الرس : هو البئر أو الحفرة، وكانت في اليمامة، ويسمونها الأخدود، وقد ورد ذكرها في سورة البروج.
وقد قال سبحانه هنا : وقرونا بين ذلك كثيرا٣٨ ( الفرقان ) : لم يرد الحق سبحانه أن يعدد كل الأمم السابقة، واكتفى بذكر نماذج منها، وفي مواضع أخرى يجمعهم جملة، فيقول تعالى : فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا(٢) ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.... ٤٠ ( العنكبوت ).
٢ حصبه: قذفه بالحصى. والحاصب: إعصار شديد يقذفكم بالحصى فيهلككم والرياح العاصفة تفعل أكثر من ذلك.(القاموس القويم ١/١٥٦)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي