ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

و دمرنا أيضاً عاداً وثموداً ، وقد تقدم في الأعراف١، وهو كيفية تدميرهم. وأصحابَ الرَّسّ ، هم قوم شعيب ؛ قال ابن عباس : أصحاب الرسّ : أصحاب البئر. قال وهب : كانوا أهل بئر، قعوداً عليها، وأصحابَ مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام، فأرسل الله إليهم شعيباً، فآذوه، وتمادوا في طغيانهم فبينما هم حول البئر - والبئر في وسط منازلهم - انهارت بهم وبديارهم، فهلكوا جميعاً. وقال قتادة : الرسُّ : قرية بفَلْح اليمامة، قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله. وقيل : هم بقية قوم هود وقوم صالح، وهو أصحاب البئر، التي قال : وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ [ الحج : ٤٥ ].
وقال سعيد بن جبير وغيره : قوم كان لهم نبي، يقال له : حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل، يقال له : فتخ، مَصْعَدُه في السماء ميل، وكانت العنقاء تنتابه، وهي كأعظم ما يكون من الطير، وفيها من كل لون - وسموها العنقاء ؛ لطول عنقها - وكانت تنقض على الطير فتأكلها، فجاعت ذات يوم، فانقضت على صبي فذهبت به، - وسميت عنقاء مغرب ؛ لأنها تُغرِّبُ ما تأكله عن أهله فتأكله - ثم انقضت على جارية قد ترعرعت، فأخذتها فطارت بها، فشكوا إلى نبيهم، فقال : اللهم خذها واقطع نسلها، فأصابتها صاعقة، فاحترقت، فلم يُر لها أثر، فصارت مثلاً عند العرب. ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكم الله. وقال مقاتل والسدي : هم أصحاب بئر إنطاكية، وتسمى الرس، قتلوا فيها حبيباً النجار، فنُسبوا إليها، وهم الذين ذُكروا في ( يس ). وقيل هم أصحاب الأخدود الذين حفروه، والرسُّ في كلام العرب : كل محفور ؛ مثل البئر، والقبر، والمعدن، وغير ذلك، وجمعها : رساس. وقال عكرمة : هم قوم رسّوا نبيهم في بئر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن أول الناس مِمَّنْ يدخل الجنة عبد أسود، وذلك أن الله تعالى بَعَثَ نَبِياً إلى قَرْيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ إلا ذلِكَ الأَسْوَد، فحَفَرَ أَهْلُ القَرْيَةِ بِئْراً وأَلْقوا فِيها نبيهم، وأطْبقُوا عَلَيْهَا بحَجر ضخْم، فكَانَ العَبْدُ يَحْتَطِب على ظهره، ويبيعه، ويأتيه بطعامه، فيعينه الله تعالى على رفع تلك الصخرة حتى يُدليه إليْهِ.
فبينما هو يحْتَطِبُ ذَات يَوْمٍ إذا نام فَضَرَبَ على أذنهِ سَبْعَ سِنينَ، ثم جاء بطَعَامه إلى البئر فلم يَجِده. وكان قومُه قد بدا لهم فاسْتَخْرجُوه وآمَنُوا بِهِ، ومات ذلك النبي، فقال - عليه الصلاة والسلام - :" إنَّ ذَلِكَ الأسْوَدَ لأوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّة٢ "، يعني من قومه. ه. وهؤلاء آمنوا فلا يصح حمل الآية عليها، إلا أن يكون أحدثوا شيئاً بعد نبيهم، فدمرهم الله.
وقال جعفر بن محمد عن أبيه : أن أصحاب الرسّ : السحّاقات، قال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أن يستكفي الرجالُ بالرجالِ، والنساءُ بالنساءِ٣ "، وذلك السحاق، ويقال له أيضاً : المساحقة، وهو حرام بالإجماع. وسبب ظهوره : أن قوماً أحدثوا فاحشة اللواط، حتى استغنوا عن النساء، فبقيت النساء معطلة، فجاءتهن شيطانة في صورة امرأة، وهي الوَلِهات بنت إبليس، فشهَّت إلى النساء ركوب بعضهن بعضاً، وعلمتهن كيف يصنعن ذلك، فسلط عليهم صاعقة من أول الليل، وخسفاً من آخر الليل، وصيحة مع الشمس، فلم يبق منهم بقية. ه.
وقُُروناً أي : دمرنا أهل قرون. والقرن سبعون سنة، وقيل : أقل، وقيل : أكثر، بين ذلك أي : بين ذلك المذكور من الأمم والطوائف، كثيراً ، لا يعلم عددها إلا العليمُ الخبير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ينبغي للمؤمن العاقل، المشفق على نفسه، أن ينظر فيمن هلك من الأمم السالفة، ويتأمل في سبب هلاكهم، فيشد يده على الاحتراز مما استوجبوا به الهلاك، وهو مخالفة الرسل وترك الإيمان ؛ فيشد يده على متابعة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي، ويرغب فيما رَغَّب فيه، ويهتدي بهديه، ويقتدي بسنته، ويربي إيمانه، ويجعل البعث والنشر والحشر بين عينيه، فهذه طريق النجاة.
وينبغي للمريد، إذا رأى فقيراً سقط من درجة الإرادة ويبست أشجاره، أن يحترز من تلك الزلاقة التي زلق فيها، فيبحث عن سبب رجوعه، ويجتنبه جهد استطاعته. ومرجعها إلى ثلاث : خروجه من يد شيخه إلى غيره، وسقوط تعظيم شيخه من قلبه ؛ بسبب اعتراض أو غيره، واستعمال كثرة الأحوال، حتى يلحقه الملل. نسأل الله الحفظ من الجميع بمنِّه وكرمه.



١ انظر تفسير الآيات ٦٥ – ٧٨ من سورة الأعراف..
٢ أخرجه الطبري في تفسيره ١٩/١٤ وابن كثير في تفسيره ٣/٣١٨..
٣ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٠/٢٨٢ والهيثمي في مجمع الزوائد ٧/٣٢٣..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير