ﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا٤٣ :
الحق- تبارك وتعالى- يضع لرسوله صلى الله عليه وسلم قضية، هي أن الدين إنما جاء ليعصم الناس من أهواء الناس، فلكل نفس بشرية هوى، وكل إنسان يعجبه هواه، وما دام الأمر كذلك فلن ينقاد لغيره ؛ لأن غيره أيضا له هوى ؛ لذلك يقول تعالى : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض... ٨١ ( المؤمنون ).
لكن، لماذا تختلف الأهواء ؟ قالوا : لأن طبيعة الحياة تتطلب أن تكون الأهواء مختلفة ؛ لأن مجالات الحياة متعددة، فهذا هواه في كذا، وهذا هواه في كذا. فترى الصديقين يلازم أحدهما الآخر، ويشاركه طعامه وشرابه، فلا يفرقهما شيء، فإذا ما ذهبا لشراء شيء ما تباينت أهواؤهما، كما أن هوى مختلفا يخدم هوى مختلفا، فالذين اختلفوا مثلا في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء، لذلك يقولون : خلاف هو عين الوفاق، ووفاق هو عين الخلاف.
وقد ضربنا لذلك مثلا بسيطا : هب أنك دخلت مطعما، وأنت تفضل مثلا ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله، وصادف أن في المطعم ( وركا ) واحدا، فلا شك أنكما ستختلفان عليه، إذن : اتفقتما في الأول لتختلفا في الآخر، لكن إن اختلفت رغباتكما، فسوف ينتج عن هذا الاختلاف اتفاق في النهاية، فأنت ستأخذ الورك، وغيرك سيأخذ الصدر، فهذا- إذن- خلاف يؤدي إلى وفاق، ووفاق يؤدي إلى خلاف.
هنا يقول الحق سبحانه : أرأيت من اتخذ إلهه هواه... ٤٣ ( الفرقان ) : الهوى. أن تكون هناك قضية ظاهر فيها وجه الحق، إلا أنك تميل عنه وأنت تعرفه، لا أنك تجهله.
لذلك يقول العلماء : آفة الرأي الهوى. فالرأي قد يكون صائبا، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان، وقلنا : لا أدل على ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجرا أجمل من حجره الذي يعبده، فيلقي الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلها، إذن : هواه في جمال الحجر غلب أنه إله.
وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم : وما ينطق عن الهوى٣ ( النجم ).
يقولون : كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى، وقد عدل الله له بعض ما نطق به، مثل قوله تعالى : يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك... ١ ( التحريم ).
وقال تعالى : عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك... ٤٣ ( التوبة ).
ولا بد أن نحدد مفهوم الهوى أولا : أنت مدرك أن لديه قضيتين : الحق واضح في إحداهما، إلا أن هواه يميل إلى غير الحق. إنه صلى الله عليه وسلم نطق لأنه لم تكن هناك قضية واقعة، وهو يعرف وجه الحق فيها، فهو- إذن- لم يسر على الهوى، إنما على ما انتهى إليه اجتهاده.
ألا ترى قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في مسألة تبنيه لزيد بن حارثة ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله... ٥ ( الأحزاب ) : فمعنى أن نسبته لأبيه أقسط أن رسول الله لم يكن جائرا، فما فعله قسط، لكن فعل الله أقسط منه.
فالحق- تبارك وتعالى – لم يخطئ رسوله صلى الله عليه وسلم، وسمى فعله عدلا، وهو عدل بشرى يناسب ما كان من تمسك زيد برسول الله، وتفضيله له على أهله، فلم يجد رسول الله أفضل من أن يتبناه مكافأة له.
ثم يقول سبحانه : أفأنت تكون عليه وكيلا٤٣ ( الفرقان ) : وكيلا يتولى توجيهه، ليترك هواه ويتبع الحق، كما قال سبحانه في موضع آخر : لست عليهم بمسيطر٢٢ ( الغاشية ). وقال : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين٩٩ ( يونس )وقال : إن عليك إلا البلاغ... ٤٨ ( الشورى ).
فالذي اتبع هواه حتى جعله إلها له لا يمكن أن تحمله على أن يعدل عن هواه ؛ لأن الأهواء مختلفة، فالبعض يريد أن يتمتع بجهد غيره، فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم، لكن أيسره أن يفعل الناس معه مثل فعله معهم ؟ إذن : هوى صادم هوى، فأيهما يغلب ؟ يغلب من يحكم بلا هوى، لا لك ولا عليك، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير