وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب.
وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.
[سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
. (١) اتخذ إلهه هواه: جعل هواه إلها له.
في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي ﷺ حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين: هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ. ثم وجهت الخطاب إلى النبي ﷺ متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه.
وقد روى بعض المفسرين أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في
الآيات هو أبو جهل «١». ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك ويقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولا سيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين.
ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي ﷺ وينتقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نجاح دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي ﷺ من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة.
وفي الآيتين [٤٣- ٤٤] ينطوي معنى التسلية للنبي ﷺ على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغييره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا ما تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة (ق) بما يغني عن الإعادة.
وفي عبارة اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ.
تلقين الآيتين [٤٣ و ٤٤] أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وما بعدهما
والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في
التفسير الحديث
محمد عزة بن عبد الهادي دروزة